شعار جريدة البوصلة

التغيير: سؤال الوجود قبل أن يكون شعار المرحلة

التغيير

د. عبد الرحيم غباري
صياغة في أفق الفلسفة الوجودية

الإنسان يمل دوام الحال، لا لأن الواقع سيئ دائما، بل لأن وجوده في جوهره حركة. إنه كائن لا يكتمل، كائن ناقص على نحوٍ خلاق، يعيش دائماً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ولهذا كانت كلمة “التغيير” تسكنه منذ خطوته الأولى على هذه الأرض.

لكن التغيير، قبل أن يكون برنامجا سياسيا أو وعدا انتخابيا، هو تجربة وجودية. إنه وعي الإنسان بأنه ليس قدرا مغلقا، بل إمكانية مفتوحة. الإنسان لا يعيش فقط داخل وضعٍ اجتماعي أو اقتصادي، بل يعيش داخل سؤال دائم: هل أنا ما أريد أن أكون؟

في العصور السابقة، كان التغيير يسير ببطء، يتشكل في النفوس قبل أن يظهر في الشوارع. كان يطال الظاهر والباطن معا؛ يغير القوانين، لكنه قبل ذلك يغير الضمائر. لذلك احتفظ التاريخ بعظمته، لأن التحول كان ينبع من الداخل قبل أن يفرض من الخارج.                                                                       

أما اليوم، فقد تسارعت الوتيرة حتى صار التغيير أشبه بعاصفة من الشعارات. عالم خرج عن معقوليته، تتقاذفه المفاجآت، وتختلط فيه الأصوات حتى يكاد الإنسان يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف. هنا يتحول التغيير من تجربة أصيلة إلى حالة قلق جماعي.                                                         

الوعي المعاصر بالتغيير مشوب بالتوتر؛ فالكلمات أكبر من الأفعال، والصور أسرع من المعاني. الإعلام يفتح العيون، نعم، لكنه أحيانا يضاعف الضجيج. الجماهير تتحرك، لكن السؤال يظل معلقا: هل نغير العالم، أم نهرب من مواجهة أنفسنا؟                                                                                 

التغيير في معناه الوجودي ليس تحررا من سلطة خارجية فقط، بل تحرر من الزيف الداخلي. أن يتحرر الإنسان من الفساد، نعم، لكن أيضا من تواطئه الصامت معه. أن يطالب بالمساواة، نعم، لكن أيضا أن يعترف بمسؤوليته في صنع اللا مساواة. فليس العالم وحده هو المشكلة؛ نحن جزء من بنيته.      

الوجودية تعلمنا أن الإنسان مسؤول حتى عن صمته. لا يستطيع أن يختبئ خلف الجماعة أو خلف الظروف. فكل اختيار- الامتناع عن الاختيار—هو موقف. ولهذا فإن المشاركة السياسية ليست مجرد رقم يضاف في صندوق الاقتراع، بل إعلان عن تحمل المسؤولية. غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود التصويت؛ إنها تبدأ من هناك.                                                                                           

نخاف خيبة الأمل لأننا ننتظر من الخارج ما لم نصنعه في الداخل. ننتظر نائبا يغيّر واقعا لم نغيّر شروطه. نبحث عن مخلّص، بينما التغيير الحقيقي يبدأ من لحظة الاعتراف: أنا مسؤول.                               

التغيير ليس أيديولوجية جاهزة، ولا منظومة شعارات محفوظة. إنه رؤية للعالم، لكنه قبل ذلك رؤية للذات. إنه قدرة الإنسان على أن يقول: لا أقبل هذا الوضع، لكنني أيضا لا أتهرب من دوري فيه. إنه قطيعة مع الفساد، نعم، لكنه أيضاً مصالحة مع الضمير.                                                          

الكرامة ليست مطلبا سياسيا فقط، بل شرطا وجوديا. الإنسان الذي يفقد كرامته يفقد إحساسه بجدوى وجوده. ولذلك فإن التغيير الحقيقي هو ذاك الذي يعيد للإنسان قدرته على أن يعيش في انسجام مع ذاته، دون خوف دائم، ودون شعور بالعجز أو العبث.                                                                    

في النهاية، يبقى السؤال الوجودي أكثر إلحاحا من كل الشعارات: هل نريد تغيير العالم لنرتاح، أم لأننا اخترنا أن نكون أكثر صدقا مع وجودنا؟                                 

التغيير ليس حدثا يقع في الخارج فقط، بل قرارا يولد في أعماق الفرد. وإذا لم يبدأ هناك، فإنه سيبقى مجرد دوران في الفراغ.                                  

إن الإنسان محكوم بالاختيار، ومحكوم بأن يتحمل نتائج اختياره.
وهنا تبدأ الحرية… وهنا يبدأ التغيير الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *