هل سبق أن قلت لأحدهم: «ثق بي»؟
غالبًا نقولها عندما نشعر أن الطرف الآخر متردد في تصديقنا أو الاعتماد علينا.
لكنني مع الوقت اكتشفت أن الثقة الحقيقية لا تبدأ بهذه العبارة، بل تبدأ من مكان آخر تمامًا: من سلوكنا عندما لا يراقبنا أحد.
فالناس لا يبنون صورتهم عنّا من خلال ما نقوله عن أنفسنا، وإنما من خلال ما نفعله بصورة متكررة.
قد تقول إنك شخص ملتزم، ثم تتأخر باستمرار عن مواعيدك.
وقد تؤكد أنك تحترم الآخرين، ثم لا ترد على رسائلهم إلا عندما تحتاج إليهم.
وقد تتحدث عن المسؤولية، ثم تترك ما وعدت به حتى اللحظة الأخيرة.
في مثل هذه الحالات، المشكلة ليست في الكلمات، وإنما في الفجوة بين ما نقوله وما نفعله.
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد الجودة الشخصية: الثقة نتيجة، وليست طلبًا.
الثقة تُبنى في التفاصيل الصغيرة
كثيرون يتصورون أن الثقة تُكتسب من خلال المواقف الكبيرة، لكن تجربتي تقول إن العكس أقرب إلى الحقيقة.
الثقة تتشكل من تفاصيل تبدو صغيرة:
أن تقول «سأتصل بك» ثم تتصل.
أن تحدد موعدًا وتحترمه.
أن تعترف بأنك أخطأت بدل أن تبحث عن شخص تلقي عليه المسؤولية.
أن تنجز مهمة بسيطة في موعدها، حتى لو لم يكن هناك من سيحاسبك عليها.
أن تقول «لا أعرف» عندما لا تعرف، بدل أن تقدم إجابة لست متأكدًا منها لمجرد أن تبدو خبيرًا.
هذه التصرفات قد تبدو عادية، لكنها مع تكرارها تصنع شيئًا كبيرًا: سمعة الإنسان.
فالسمعة ليست ما نكتبه في سيرتنا الذاتية، بل ما يقوله الناس عنّا عندما لا نكون موجودين.
موقف جعلني أفكر في معنى الثقة
أتذكر موقفًا بسيطًا جعلني أعيد التفكير في الطريقة التي أقيس بها الثقة.
كنت أتعامل مع شخص في موضوع يتطلب الالتزام بعدة أمور في أوقات محددة. لم تكن المشكلة في قدرته أو معرفته، وإنما في التفاصيل الصغيرة: موعد يتأخر، رسالة لا يُرد عليها، مهمة تُنجز بعد موعدها، ثم اعتذار وتأكيد بأن الأمر لن يتكرر.
في البداية كنت أقول: “لا بأس، كلنا نخطئ.”
لكن مع تكرار الأمر بدأت أكتشف أن المشكلة لم تعد في الخطأ نفسه، بل في تكراره.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا:
الناس يستطيعون أن يتفهموا خطأك، لكنهم يجدون صعوبة في بناء ثقة مستقرة مع شخص لا يمكنهم توقع سلوكه.
فالخطأ الواحد قد يكون حادثة، أما تكرار النمط فيتحول إلى رسالة.
من خلال التدريب والاستشارات
من خلال الدورات التدريبية والاستشارات التي قدمتها، لاحظت أن كثيرًا من الناس يمتلكون المعرفة اللازمة للنجاح، لكنهم لا ينتبهون إلى أن الثقة التي يحتاجونها من الآخرين تبدأ من علاقتهم هم بأنفسهم.
إذا وعدت نفسك بأن تنجز شيئًا ثم تؤجله باستمرار، فأنت لا تخسر الوقت فقط، بل تضعف قدرتك على الاعتماد على نفسك.
وإذا اعتدت أن تبدأ كل مهمة بحماس ثم تتوقف عند أول عقبة، يصبح التراجع نمطًا مألوفًا.
أما عندما تتعلم أن تفعل ما قلت إنك ستفعله، حتى عندما لا تكون لديك رغبة في ذلك، فإنك تبني شيئًا أعمق من الانضباط: تبني احترامك لذاتك.
ومن هنا تبدأ ثقة الآخرين بك.
فالإنسان الذي لا يستطيع الاعتماد على نفسه، سيجد صعوبة في أن يجعل الآخرين يعتمدون عليه.
لا تحاول أن تبدو جديرًا بالثقة… كن كذلك.
هناك فرق كبير بين الشخص الذي يحاول أن يبدو موثوقًا، والشخص الذي أصبح موثوقًا بالفعل.
الأول يهتم كثيرًا بالصورة.
أما الثاني فيهتم بالسلوك.
الأول يكثر من الوعود.
والثاني يقلل الوعود ويزيد الإنجاز.
الأول يقول: “أنا أتحمل المسؤولية”
والثاني يجعل تصرفاته تقول ذلك نيابة عنه.
وهذه قاعدة أراها أساسية في الجودة الشخصية:
لا تحاول أن تقنع الناس بقيمتك… اجعل سلوكك يقدم الدليل.
لأن الثقة لا تُبنى في يوم واحد، ولا تنهار دائمًا بسبب موقف واحد. إنها أشبه برصيد يتراكم مع الوقت؛ كل التزام صغير يضيف إليه، وكل إخلال متكرر يسحب منه.
وفي النهاية…
اسأل نفسك اليوم:
هل يعرف الناس أن لكلمتي معنى؟
هل ألتزم بما أعد به؟
هل يمكن للآخرين الاعتماد عليّ دون أن يضطروا إلى تذكيري ومتابعتي؟
والأهم:
هل أنا نفسي أستطيع الاعتماد على نفسي؟
ربما تكون الجودة الشخصية في أحد أعمق معانيها هي أن يصبح الإنسان شخصًا يمكن الوثوق به؛ ليس لأنه يتحدث كثيرًا عن أخلاقه أو قدراته، وإنما لأن أفعاله اليومية تؤكدها.
فالثقة لا تُطلب.
الثقة تُبنى… موقفًا بعد موقف، ووعدًا بعد وعد، ويومًا بعد يوم.

يجمع الدكتور مريد بن يوسف الكلّاب بين التأصيل الأكاديمي والخبرة الميدانية والإعلامية في الارتقاء بجودة الأداء الشخصي والمؤسسي؛ فهو حاصل على درجتي الدكتوراه في إدارة الأعمال والقانون الدولي، بالإضافة إلى أكثر من 180 دورة تدريبية من معاهد عالمية. كرّس مسيرته المهنية لتمكين الأفراد والقيادات العليا عبر التدريب التفاعلي، واستشارات إدارة التغيير، وصناعة المحتوى المرئي والمكتوب الهادف إلى تحقيق الجودة الشخصية والفكر الإيجابي، إلى جانب عمله سابقا كرئيس تحرير ومشرف على أكثر من مجلة تربوية وعربية هادفة واسعة الانتشار.
