دخل ملف المحروقات في المغرب مرحلة جديدة مع بداية أكتوبر، بعدما تجاوز سعر لتر الغازوال عتبة 16 درهما في عدد من محطات الوقود، لتقرر الحكومة رفع قيمة الدعم الاستثنائي المباشر الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع. القرار، الذي أعلنت عنه وزارة النقل واللوجستيك يوم الجمعة 2 أكتوبر، يهم الحصة التي فتحت عملية التسجيل للاستفادة منها في 24 شتنبر، على أن ينطلق صرف مبالغ الدعم ابتداء من الأسبوع المقبل، فيما لم تكشف الوزارة في بلاغها عن القيمة الجديدة المفصلة حسب فئات المهنيين.
ولا يمثل هذا الإجراء بداية لسياسة جديدة، بقدر ما يشكل امتدادا لآلية استثنائية أصبحت الدولة تلجأ إليها كلما اشتدت صدمة أسعار الطاقة. ففي 18 شتنبر، أعلنت وزارة النقل إطلاق حصة إضافية من الدعم تمتد 30 يوما، مؤكدة أن مواكبة مهنيي النقل ستستمر بما يتلاءم مع ارتفاع أسعار المحروقات الدولية، إلى حين عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة. وبعد أقل من أسبوعين، انتقلت الحكومة من مواصلة الدعم إلى رفع قيمته، وهو ما يعكس سرعة انتقال الصدمة الخارجية من سوق الطاقة الدولية إلى تكاليف تشغيل قطاع يعتمد بصورة مكثفة على الغازوال.
وتأتي هذه الخطوة في وقت سجل فيه سعر الغازوال بداية أكتوبر زيادة بنحو 80 سنتيما للتر، فيما ارتفع سعر البنزين بنحو 39 سنتيما، مع بلوغ الغازوال في عدد من محطات الدار البيضاء نحو 16.10 إلى 16.20 درهما للتر بحسب الشركة والموقع. ومع أن السعر يختلف بين شبكات التوزيع والمناطق، فإن تجاوز الغازوال حاجز 16 درهما يحمل أهمية اقتصادية تتجاوز الرقم نفسه، لأن الغازوال ليس مجرد مادة استهلاكية لمالكي السيارات، بل مدخل رئيسي في تكلفة النقل البري ونقل السلع والخدمات والإنتاج الزراعي والصناعي وسلاسل التموين.
وتظهر أحدث الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أن ضغط المحروقات بدأ بالفعل في الظهور داخل مؤشرات الأسعار. ففي غشت 2026 ارتفع الرقم القياسي العام للأسعار بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري، بينما قفزت أسعار المحروقات بنسبة 9.8 في المائة خلال الشهر نفسه. وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار النقل بنسبة 7.3 في المائة، رغم أن الرقم القياسي العام انخفض بنسبة 0.3 في المائة، بفعل تراجع أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.9 في المائة مقابل ارتفاع أسعار المنتجات غير الغذائية بنسبة 2.5 في المائة. وتكشف هذه الصورة أن أثر الطاقة قد يكون مركزا داخل بعض المكونات الأكثر حساسية، حتى عندما لا تعكس نسبة التضخم العامة وحدها حجم الضغط الذي تشعر به الأسر والمهنيون.
غير أن كلفة المواكبة تطرح في المقابل سؤالا ماليا متزايدا. فبحسب مذكرة الظرفية لشهر شتنبر الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، بلغت المساعدات المباشرة الموجهة لمهنيي النقل لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات نحو 1.9 مليار درهم إلى نهاية غشت 2026، بينما وصلت نفقات المقاصة إجمالا إلى 13.8 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى، بزيادة 6.2 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من 2025. والأكثر دلالة أن معدل تنفيذ الاعتمادات المخصصة للمقاصة بلغ 99.4 في المائة عند متم غشت، أي قبل أربعة أشهر من نهاية السنة المالية. وهذا لا يعني أن الدولة غير قادرة على تعبئة موارد إضافية، لكنه يوضح أن تمديد الدعم ورفع قيمته يجريان في بيئة مالية أصبح فيها هامش المناورة داخل الاعتمادات الأولية أكثر ضيقا.
ومن الناحية الحكومية، تقوم فلسفة التدخل على منع انتقال الصدمة كاملة إلى أسعار النقل ثم إلى أسعار السلع والخدمات. فقد سبق لوزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح أن أكدت أن الحكومة تعبئ الموارد المالية لمواكبة القطاعات الأكثر تأثرا، وفي مقدمتها النقل، وأن الهدف هو الحد من انعكاسات ارتفاع الطاقة على التضخم. وفي معطيات سابقة، أوضحت الوزيرة أن الغلاف الشهري الإجمالي للتدخلات المرتبطة بأزمة الطاقة بلغ نحو 1.6 مليار درهم، من ضمنه حوالي 648 مليون درهم لدعم مهنيي النقل، إضافة إلى دعم غاز البوتان والكهرباء. وفي 30 شتنبر، أكدت الحكومة مجددا أن دعم النقل سيواكب ارتفاع أسعار المحروقات، بالتوازي مع إعلانها أن مخزون غاز البوتان والغازوال يغطي ما بين 40 و60 يوما وأن تموين السوق الوطنية يجري بصورة منتظمة.

لكن التطورات الحالية في السوق الدولية تفسر أيضا لماذا أصبح الغازوال تحديدا مصدرا للضغط. فالسوق العالمية لا تشهد فقط ارتفاعا في سعر الخام، بل تواجه اختناقا أكثر حدة في المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، بسبب تضرر طاقات التكرير واضطراب الإمدادات في مناطق مختلفة. وقالت رويترز في 2 أكتوبر إن مركز الضغط انتقل بدرجة أكبر من سوق الخام إلى سوق المنتجات المكررة، في ظل نقص طاقات التكرير في الشرق الأوسط وروسيا، فيما أدى قرار الصين تعليق صادرات عدد من المنتجات النفطية خلال أكتوبر إلى مزيد من التشدد في الأسواق الآسيوية. وفي اليوم نفسه استقر خام برنت في تسوية الجمعة عند 102.25 دولارا للبرميل، بينما ظلت أسعار الديزل المكررة مرتفعة نسبيا رغم تحرك دول أوروبية للإفراج عن مخزونات من الوقود. وهذا يوضح أن ارتفاع سعر الغازوال في المغرب لا يمكن تفسيره بسعر البرميل وحده، بل يتداخل فيه أيضا سعر المنتجات المكررة وكلفة النقل البحري والتأمين وسعر الصرف وهوامش التكرير والتوزيع.
وفي المقابل، تبرز من داخل القطاع ومن الأوساط الاقتصادية قراءات تعتبر أن الدعم المباشر يعالج الصدمة أكثر مما يعالج أسبابها. فمصطفى شعون، الأمين العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجستيك متعددة الوسائط، سبق أن وصف الدعم بأنه حل مؤقت، وطالب برفع قيمته لمواكبة ارتفاع الأسعار، مقترحا في مراحل سابقة آلية للمقايسة الجزئية الخاصة بالمهنيين بدل انتظار دفعات الدعم والتسجيل في المنصة. كما أثيرت إشكالات تتعلق بوصول الدعم إلى جميع المستفيدين، خاصة العاملين خارج القطاع المهيكل، وتأخر بعض الدفعات أو صعوبات الاستفادة منها.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، اعتبر الخبير عبد الرزاق الهيري أن الإجراءات الحكومية لمواجهة صدمة الطاقة ضرورية، لكنها تظل محدودة التأثير وظرفية أمام صدمة خارجية ممتدة، ودعا، في تصريح سابق، إلى التفكير في مراجعة بعض مكونات الضرائب والهوامش وآليات حماية السوق خلال فترات الارتفاع الحاد. وفي السياق نفسه، أعاد الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، طرح ملف مصفاة “سامير”، معتبرا أن توقف التكرير المحلي يزيد كلفة تأمين حاجيات المغرب من المنتجات النفطية، ومطالبا بإعادة تشغيل المصفاة وتخفيف العبء الضريبي في ظرفية ارتفاع أسعار المشتقات. وهذه المواقف تظل، بطبيعة الحال، قراءات ومطالب صادرة عن فاعلين مهنيين ونقابيين، ولا تشكل في حد ذاتها تقييما رسميا لسياسة الدولة في قطاع الطاقة.
والمفارقة التي يضعها التطور الأخير أمام صانع القرار هي أن رفع الدعم يمكن أن يخفف جزءا من الصدمة عن قطاع النقل ويحافظ على استقرار بعض التعريفات وكلفة نقل السلع، لكنه لا يخفض سعر الغازوال نفسه بالنسبة إلى المستهلك العادي، ولا يلغي كلفة الطاقة التي تتحملها قطاعات ومهن قد لا تدخل ضمن دائرة الاستفادة. ويظهر ذلك بوضوح في مطالب موزعي الغاز السائل الذين أكدوا، في 2 أكتوبر، أن ارتفاع كلفة الغازوال يضغط على نشاطهم، وأن عددا كبيرا منهم لا يستفيد من آلية الدعم الموجهة إلى مهنيي النقل، ما دفعهم إلى المطالبة إما بمراجعة هوامش الربح أو بإقرار دعم مماثل.
لهذا، فإن القرار الأخير يضع الدولة أمام ثلاثة مستويات متزامنة من التحدي: احتواء أثر الصدمة الدولية على النقل والتموين، الحفاظ على القدرة الشرائية دون تحويل كل الارتفاعات الخارجية إلى الأسعار الداخلية، وضبط الكلفة المالية لآلية دعم أصبحت مرتبطة مباشرة بتقلبات سوق دولية لا يتحكم المغرب في مسارها. وفي المدى القصير، يظل رفع دعم مهنيي النقل آلية امتصاص للصدمة، لكن استمرار التقلبات يوسع النقاش حول ما هو مؤقت وما هو هيكلي: حجم المخزون، كلفة الاستيراد، طاقات التكرير، بنية الضرائب، المنافسة في سوق التوزيع، وطريقة استهداف الدعم وضمان وصوله إلى من يتحمل بالفعل كلفة المحروقات.
وبذلك، لا تكمن دلالة قرار 2 أكتوبر فقط في زيادة مبلغ الدعم، وإنما في انتقال الدولة من منطق الدعم الدوري إلى مواكبة أكثر ارتباطا بمؤشر الأسعار نفسه. وهذه النقلة قد تسمح بقدر أكبر من المرونة خلال فترات الارتفاع، لكنها تجعل الكلفة العمومية شديدة الحساسية لتقلبات السوق الدولية. ومع دخول أسعار الغازوال نطاقا يتجاوز 16 درهما، يصبح السؤال الاقتصادي الأوسع هو إلى أي مدى يمكن الاستمرار في امتصاص الصدمات عبر المالية العمومية، ومتى تنتقل المعالجة من تدبير آثار الارتفاع إلى تقليص مواطن الهشاشة التي تجعل الاقتصاد المغربي شديد التأثر بأي اضطراب طويل في سوق المشتقات النفطية.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
