أنهت رئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيل الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، الجولة الاولى من المشاورات السياسية مع الاحزاب الممثلة في مجلس النواب، بعد يومين من اللقاءات التي شملت التجمع الوطني للاحرار، والاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، ثم الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، فيما برزت مواقف مغايرة من حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار.
وانطلقت المشاورات مباشرة بعد تعيين المنصوري في 29 شتنبر رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، عقب تصدر حزب الاصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدا. وفتحت المنصوري منذ اليوم الاول قناة الحوار مع الاحزاب الفائزة، في وقت بدأت فيه المواقف الاولية تتبلور بين احزاب تميل الى المشاركة، واخرى تؤجل الحسم الى مؤسساتها التقريرية، بينما حسمت اطراف اخرى مسبقا في اختيار المعارضة.
وكان التجمع الوطني للاحرار من اول الاحزاب التي التقت المنصوري، قبل أن يعلن مكتبه السياسي استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، مع تفويض المجلس الوطني للحزب اتخاذ القرار النهائي بشأن موقعه خلال المرحلة المقبلة. وبرر الحزب موقفه بالرغبة في مواصلة الاسهام في استكمال الاوراش والاصلاحات المفتوحة وتثمين المكتسبات، على ان يحسم المجلس الوطني في المشاركة خلال اجتماعه المقرر السبت 3 أكتوبر.
وعقب الاجتماع الاول داخل الحزب، نقلت “العمق” عن مصدر قيادي ان راشيد الطالبي العلمي ومحمد اوجار ومصطفى بايتاس دافعوا عن خيار المشاركة في الحكومة المقبلة، في حين ظل الحسم المؤسسي بيد المجلس الوطني. وهذه المعطيات تضع موقف الاحرار في خانة الاستعداد للمشاركة، من دون أن تعني صدور قرار نهائي بشأن تركيبة الحكومة أو الحقائب الوزارية.
أما حزب الاستقلال، فقد أبقى بدوره الباب مفتوحا أمام المشاركة، مع إحالة القرار على المجلس الوطني. وقال أمينه العام نزار بركة، عقب لقائه بالمنصوري، إن المغرب يحتاج الى تعبئة شاملة لتجاوز منطق المنافسة الانتخابية، والتوجه نحو مواجهة التحديات الجيوستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، متوقفا عند التشغيل والبطالة وحماية القدرة الشرائية وتوسيع الطبقة الوسطى. كما وصف تعيين أول امرأة على رأس الحكومة في تاريخ المغرب بأنه “لحظة تاريخية” و”حدث مهم”.
وفي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قرر المكتب السياسي مواصلة التفاوض، مفوضا الكاتب الاول إدريس لشكر ورئيس المجلس الوطني متابعة المشاورات. وشدد الحزب في بلاغه على أن المشاركة في الحكومة ليست “غاية في ذاتها”، وربط أي تحالف بوجود مرجعيات وقناعات فكرية وسياسية مشتركة، مع إبراز أولويات تتصل بإصلاح المؤسسات، وتسريع الرقمنة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتشجيع الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة ومواجهة مظاهر الريع والاحتكار وتقليص التفاوتات المجالية والاجتماعية.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فأكد أمينه العام نبيل بنعبد الله أن اللقاء مع المنصوري خصص لتبادل وجهات النظر حول المرحلة الجديدة، وأن النقاش ركز على ضرورة وضع المواطن في قلب العمل الحكومي وإعطاء الاولوية للانسان والتنمية الاقتصادية. ولم يحسم الحزب، في المواقف العلنية التي أعقبت اللقاء، قراره النهائي بشأن المشاركة.
وفي الحركة الشعبية، برزت في تصريحات الامين العام محمد أوزين اشارات الى ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، فيما قال الأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار إن المشاورات مع المنصوري ركزت على التشغيل، ولا سيما تشغيل الشباب، والقدرة الشرائية، والتعليم والصحة. وأعلن الامين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية عبد الصمد عرشان استعداد حزبه للمساهمة في إنجاح التجربة الحكومية الجديدة، مع التشديد على الرهانات الاجتماعية وتصحيح الاختلالات.
في المقابل، اتخذ حزب العدالة والتنمية مسارا مختلفا، بعدما أعلن أمينه العام عبد الإله بنكيران عدم حضور اللقاء الذي كان مبرمجا مع المنصوري بمقر حزب الاصالة والمعاصرة. وأوضحت المنصوري لاحقا أن التواصل شمل جميع الاحزاب وأن قرار الاستجابة للمشاورات يظل خيارا لكل حزب، في حين أكد بنكيران تموقع حزبه في المعارضة.
وسجل تحالف اليسار، بدوره، تعذر عقد اللقاء الذي كان مرتقبا مع المنصوري، بعدما طالب بأن ينعقد في فضاء مستقل عن مقرات الاحزاب السياسية. وأكد التحالف في بلاغ له تمسكه بما سماه “المعارضة المواطنة” من داخل البرلمان، معتبرا أن المعارضة مسؤولية سياسية ورقابية وترافعية، وأن صعوبة التوافق بشأن مكان الاجتماع حالت دون تنظيم اللقاء.
وتكشف هذه المواقف الاولية أن المرحلة التالية من المشاورات لن تتعلق فقط بعدد المقاعد اللازمة لبناء الاغلبية، بل أيضا بالبرنامج الحكومي وحدود التوافق السياسي والاولويات الاقتصادية والاجتماعية. كما أن الاحزاب التي أجلت الحسم أحالت القرار الى هياكلها الوطنية، ما يجعل الانتقال من مرحلة استطلاع المواقف الى مرحلة التفاوض الفعلي مرتبطا بمخرجات المجالس الوطنية وبما ستطرحه رئاسة الحكومة من تصور للعمل الحكومي.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
