بلغة الأرقام، لا تحتاج الأغلبية المرتقبة إلى أكثر من عملية جمع. الأصالة والمعاصرة تصدر انتخابات 23 سبتمبر بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار حصل على 66، ومع الاستقلال يبلغ مجموع التحالف الحالي 228 مقعداً. والأغلبية المطلوبة 198 من أصل 395، أي أن الهامش 30 مقعداً.
ومع ذلك، لم يُعلن أي قرار رسمي. انتهت المشاورات الاستكشافية الأولى، يوم 30 سبتمبر، دون اتفاق مبدئي، واختارت القيادات انتظار هذا السبت 3 أكتوبر، حين تنعقد ثلاث هيئات حزبية في الساعة العاشرة صباحاً في ثلاث مدن: الصخيرات وسلا والرباط. وهنا يتضح السؤال: عندما تقول صناديق الاقتراع شيئاً، وتقول الأرقام إن الحساب محسوم، من يملك فعلاً أن يقول «نعم»؟
ما تمنحه الصناديق، وما لا تمنحه
تمنح نتائج 23 سبتمبر الأحزاب وزنها التفاوضي، وتحدد ما هو ممكن حسابياً. لكنها لا تُنتج تلقائياً قراراً بالدخول إلى الحكومة. وقد قالها وفد التجمع الوطني للأحرار صراحة: النقاش، برئاسة محمد شوكي، كان «صريحاً ومسؤولاً»، ولا يمكن اتخاذ قرار بالمشاركة دون موافقة مسبقة من الهيئات التداولية للحزب.
وبلاغ المكتب السياسي للتجمع يوضح هذا التقسيم للأدوار. فقد عبّر عن استعداد الحزب للمشاركة في الأغلبية المقبلة، لكنه ترك الحسم للمجلس الوطني. القيادة تحدد الاتجاه، والهيئة تمنحه الشرعية الداخلية.
بهذا المعنى، لا تتنافس الشرعيتان. الأولى، شرعية الاقتراع، تحدد الموقع في المشهد. والثانية، شرعية الهيئة الحزبية، تحدد ما إذا كان هذا الموقع سيتحول إلى مشاركة حكومية. والقرار يحتاج إلى الاثنتين معاً.
ثلاثة اجتماعات، ثلاث مهام مختلفة
يبدو التزامن توحيداً للموقف، لكن الاستدعاءات كما نُشرت تكشف اختلافاً في المهمة المطروحة على كل هيئة:
- الاستقلال (قصر المؤتمرات بالولجة، سلا): جدول الأعمال ينص صراحة على الحسم في المشاركة في الجهاز التنفيذي المقبل. هذا اجتماع قرار.
- التجمع الوطني للأحرار (المقر المركزي بحي الرياض): يُنتظر أن تحكّم الهيئة في موقف الحزب بشأن التفاوض بصفته شريكاً بارزاً، بعد أن قاد الحكومة المنتهية ولايتها.
- الأصالة والمعاصرة (قصر المؤتمرات بالصخيرات): دعت رئيسة المجلس الوطني نجوى كوكوس الأعضاء إلى تحليل ومناقشة النتائج الانتخابية. ولا يتضمن ما نُشر من الاستدعاء إشارة صريحة إلى قرار بالمشاركة.
هذا الفرق لا يعني أن الحزب الأول في الانتخابات مترددٌ. لكنه يبين أن «السبت الخارق» ليس يوماً واحداً بمهمة واحدة، وأن الهيئات الثلاث تُسأل أسئلة مختلفة.
دائرة أوسع من ثلاثة أحزاب
انضمت الحركة الشعبية إلى هذه الدينامية بجلسة استثنائية لمجلسها الوطني في اليوم نفسه بعد الزوال، في مقر الإدارة العامة بالرباط، حضورياً وعن بعد. ولم يتضح من المعطيات المنشورة هل يتعلق الأمر بقرار حول المشاركة أم بتفاعل مع تطورات المشهد.
وفي المشاورات نفسها، استقبلت رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، وممثلين عن الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية. الاتحاد الاشتراكي، وله 26 مقعداً، لم يقدم أي التزام قاطع. أما العدالة والتنمية، بمقاعده الـ54، فاختار مسبقاً موقع المعارضة.
قد يعني توسيع المشاورات بحثاً عن هامش أمان، أو عن توازن سياسي أوسع، أو مجرد استكمال لمسار المشاورات. والمعطيات المتاحة لا تسمح بترجيح تفسير على آخر.
ما الذي ستقوله هذه الاجتماعات، وما الذي لن تقوله
لن تعلن هذه الاجتماعات حكومة، فتركيبتها وتوزيع الحقائب لم يُحسما. لكنها ستجيب عن سؤال سابق: هل تملك قيادة كل حزب تفويضاً داخلياً لمواصلة التفاوض، وبأي شروط؟ وما سيخرج من قاعات الصخيرات وسلا والرباط هو ما ستبني عليه المنصوري المرحلة التالية.
وبالنسبة للقارئ المغربي، فالأمر ليس شأناً داخلياً للأحزاب فقط. فمدة الانتقال من الاقتراع إلى حكومة جاهزة للعمل تتوقف، جزئياً، على سرعة هذه الهيئات وعلى ما تضعه من شروط. الانتخابات جرت في 23 سبتمبر، والمشاورات لا تزال في مرحلتها الأولى.
كلمة أخيرة
يختار الناخب من يتصدر، وتختار الهيئات من يدخل. وبين الفعلين مسافة لا تظهر في جدول المقاعد، لكنها تحدد زمن الحكومة وشكلها. وربما كان السؤال الأدق ليس: من يملك القرار؟ بل: كم من القرار يُحسم قبل أن يفتح الأعضاء أبواب القاعة؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
