الأحد 8 نونبر 2026
البوصلة الآن
رياضة النادي المكناسي يعمق جراح المغرب التطواني و يعتلي وصافة الدوري
رأي وتحليل

ناصر بوريطة.. دبلوماسية هادئة تربك حسابات الجزائر والخصوم

ناصر بوريطة.. دبلوماسية هادئة تربك حسابات الجزائر والخصوم

ليس كل رد يحتاج إلى ضجيج، وليس كل مواجهة تحسم بالتصريحات النارية. ففي عالم الدبلوماسية، حيث تُقاس قوة الدول بقدرتها على بناء التحالفات وتدبير الخلافات وانتزاع الاعترافات، برز ناصر بوريطة باعتباره أحد أبرز الوجوه التي حملت على عاتقها الدفاع عن المصالح العليا للمغرب، في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

منذ توليه حقيبة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي سنة 2017، ارتبط اسم بوريطة بمرحلة شهدت تحولات مهمة في السياسة الخارجية المغربية، سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو الحضور الدولي أو تدبير ملف الصحراء. وقد اختار الرجل، في كثير من المحطات، لغة دبلوماسية هادئة لا تخلو من الحزم، بعيداً عن الاستعراض الإعلامي، وكأن رسالته الأساسية أن قوة الموقف لا تحتاج دائماً إلى رفع الصوت.

النظام الجزائري.. خصومة تحولت إلى سياسة

في الجهة المقابلة، ظل النظام الجزائري يجعل من المغرب محوراً دائماً في خطابه السياسي والإعلامي، حتى تحولت الخصومة بين البلدين إلى أحد أبرز عناوين سياسته الإقليمية. فقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة في غشت 2021، وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المغربية، ثم وقف أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي في أكتوبر من السنة نفسها، وصولاً إلى إعادة فرض التأشيرة على المواطنين المغاربة في شتنبر 2024، كلها محطات عكست اتجاهاً تصعيدياً لم يفتح أي أفق حقيقي لتجاوز الخلافات.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه القرارات لم تدفع المغرب إلى التخلي عن أولوياته أو جعل علاقته بالجزائر محدداً وحيداً لتحركاته الخارجية. فالمملكة لم تدخل في سباق التصريحات، ولم تجعل من الرد على كل موقف جزائري غاية في حد ذاته، بل واصلت الاشتغال على ملفاتها الاستراتيجية، وتوسيع علاقاتها مع شركائها، وتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية.

وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط قوة الدبلوماسية المغربية: عدم السماح للخصومة بأن تتحول إلى بوصلة للسياسة الخارجية.

الصحراء.. معركة المواقف والاعترافات

في ملف الصحراء، الذي يشكل إحدى أهم أولويات السياسة الخارجية للمملكة، شهدت السنوات الأخيرة تحولات دبلوماسية بارزة. فقد شكل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020 محطة مفصلية، أعقبته مواقف دولية مهمة، من بينها موقف ألمانيا سنة 2022، ثم إعلان فرنسا في يوليوز 2024 اعتبار حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، مع تأكيدها أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل أساساً لتسوية النزاع.

هذه التحولات لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل جاءت في سياق عمل دبلوماسي متواصل لتوسيع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي، وإقناع الشركاء بأهمية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية.

وفي هذا المسار، كان ناصر بوريطة حاضراً في واجهة الدفاع عن الطرح المغربي، من خلال اللقاءات الثنائية والمباحثات الدولية والتواصل مع العواصم المؤثرة. غير أن قراءة هذه المكاسب تقتضي عدم اختزالها في شخص واحد، لأنها ثمرة رؤية استراتيجية ممتدة تقودها المؤسسة الملكية وتشارك في تنفيذها مختلف مؤسسات الدولة.

إسبانيا.. حين تتحول الأزمة إلى فرصة دبلوماسية

ومن أبرز المحطات التي أظهرت قدرة المغرب على تدبير الأزمات الدبلوماسية، علاقته بإسبانيا. فبعد الأزمة التي اندلعت سنة 2021 على خلفية استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وما رافقها من توتر سياسي حاد، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عقب الرسالة التي وجهها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس في مارس 2022.

وقد شكل الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022 منعطفاً في العلاقات الثنائية، بعدما أعلنت إسبانيا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء.

ولم يكن هذا التحول تفصيلاً عابراً في حسابات المنطقة، بل عكس قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، وإعادة ترتيب علاقاته مع شريك أوروبي أساسي، رغم تعقيدات الأزمة وما رافقها من ضغوط سياسية.

وفي المقابل، جاء رد النظام الجزائري بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا في يونيو 2022، في خطوة كشفت مرة أخرى اختلاف منطق التعامل مع التحولات الدبلوماسية؛ فبينما اختار المغرب إعادة بناء العلاقة على أساس المصالح المشتركة، اتجهت الجزائر إلى التصعيد مع أحد شركائها الأوروبيين.

بوريطة.. قوة الهدوء في زمن الضجيج

ما يميز ناصر بوريطة، في تقديري، ليس فقط قدرته على عرض الموقف المغربي في المحافل الدولية، بل أيضاً أسلوبه في التعامل مع الملفات الحساسة. فهو لا يبدو ميالاً إلى تحويل كل خلاف إلى معركة إعلامية، ولا إلى الدخول في سجالات يومية تستنزف الجهد الدبلوماسي. بل يترك للمواقف الرسمية والاتفاقيات والتحركات السياسية أن تعبر عن اتجاهات السياسة الخارجية للمملكة.

وهذا لا يعني أن الدبلوماسية المغربية تتجنب الحزم أو تتنازل عن الدفاع عن مصالحها، بل إن الهدوء هنا ليس علامة ضعف، وإنما أسلوب في تدبير الملفات المعقدة، يقوم على اختيار التوقيت المناسب، وتحديد الأولويات، وبناء المواقف على المدى البعيد.

ولعل أكثر ما يربك حسابات النظام الجزائري أن المغرب لم يجعل من عدائه أولوية في سياسته الخارجية، ولم يسمح لخطاب التصعيد بأن يحدد اتجاه تحركاته. فبينما ظل النظام منشغلاً بملاحقة الموقف المغربي، واصلت المملكة بناء شراكاتها وتوسيع حضورها الدولي، وكأنها تقول إن مستقبل الدول لا يُصنع بالخصومات، بل بالإنجازات.

الملك محمد السادس.. الرؤية الاستراتيجية والقيادة

ومهما كان الحضور الذي بصم به ناصر بوريطة عمل الدبلوماسية المغربية، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن الفضل الاستراتيجي الأول يعود إلى الملك محمد السادس، الذي رسم التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية للمملكة، وحدد أولوياتها في الدفاع عن الوحدة الترابية، وتعزيز الشراكات الدولية، وترسيخ الحضور الإفريقي، وتنويع علاقات المغرب مع مختلف القوى الدولية.

لقد اشتغلت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الماضية وفق رؤية ملكية واضحة، وكان بوريطة أحد أبرز الوجوه التي تولت ترجمة هذه الرؤية إلى تحركات ومواقف ومبادرات على المستوى الدولي. ومن هنا، فإن قوة التجربة لا تكمن في شخص الوزير وحده، بل في انسجام التحرك الدبلوماسي مع الاختيارات الاستراتيجية للدولة.

الخلاصة.. بين منطق البناء ومنطق الخصومة

إن المقارنة بين المسارين المغربي والجزائري لا تعني التقليل من أهمية الجزائر أو من مكانة الشعب الجزائري، الذي لا ينبغي تحميله مسؤولية اختيارات نظامه السياسية. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول جدوى سياسة خارجية تجعل من معاداة الجار أولوية، وتستنزف إمكانات المنطقة في صراعات كان بالإمكان تدبيرها بالحوار والتعاون واحترام المصالح المتبادلة.

لقد اختار النظام الجزائري القطيعة والتصعيد، بينما اختار المغرب توسيع شراكاته وتحصين مواقفه. وبين الخيارين، تتجلى مفارقة سياسية واضحة: دبلوماسية تشتغل على بناء المكاسب وتوسيع دائرة الحلفاء، في مقابل خطاب يظل مشدوداً إلى الخصومة وملاحقة التحركات المغربية.

أما ناصر بوريطة، فقد استطاع أن يفرض حضوره ضمن هذا المسار، ليس بكثرة التصريحات، وإنما بالمشاركة في تدبير ملفات دقيقة والدفاع عن اختيارات المملكة في محطات مفصلية.

ففي السياسة، لا تقاس قوة الدول بعلو أصواتها، ولا بعدد خصومها، بل بقدرتها على صناعة المواقف وكسب الحلفاء وحماية مصالحها.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←

كل مقالات أحمد ياسين الأشهب ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب