قاعة “بدر” بطنجة.. حين تتحول ذاكرة المدينة إلى ضحية للتحولات العمرانية
البوصلة- متابعة
أعادت صورة حديثة لقاعة “بدر” بمدينة طنجة فتح النقاش حول مصير الفضاءات الثقافية والرياضية التي شكلت، على امتداد سنوات، جزءاً من الذاكرة الجماعية لساكنة طنجة، بعدما ارتبط هذا المكان بذكريات أجيال متعاقبة عاشت بين جنباته لحظات من الطفولة والشباب، وجعلت منه أكثر من مجرد بناية أو فضاء مخصص للأنشطة.
فبالنسبة لعدد كبير من أبناء المدينة، لا تختزل قاعة “بدر” في جدران وأبواب ومرافق، بل تمثل جزءاً من مرحلة زمنية ارتبطت بتفاصيل الحياة اليومية في طنجة، وبأشكال الترفيه واللقاءات والأنشطة الرياضية التي كانت تمنح الفضاءات العمومية مكانة خاصة في وجدان السكان. ولذلك، فإن ما تثيره الصورة المتداولة لا يرتبط فقط بالمصير المادي للقاعة، وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تعامل المدينة مع ذاكرتها ومعالمها التي تحمل قيمة رمزية وتاريخية لدى ساكنتها.
وتكتسب القاعة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بتاريخ كرة السلة بمدينة طنجة، حيث احتضنت لسنوات مباريات نادي اتحاد طنجة، وشهدت مواجهات رياضية استقطبت جماهير غفيرة، كما كانت فضاءً للتداريب والمنافسات التي ساهمت في تكوين أجيال من الرياضيين. ولم تكن مدرجاتها مجرد أماكن للجلوس ومتابعة المباريات، بل كانت شاهدة على لحظات الفرح والانتصار، وعلى علاقة خاصة جمعت الجمهور بفريقه وبمدينته.
ست سنوات من الإغلاق وأسئلة بلا أجوبة
بدأ المسار الذي قاد قاعة “بدر” إلى وضعيتها الحالية في يناير 2020، حين تقرر إغلاقها عقب معاينة تقنية كشفت عن تدهور حالتها، مع الحديث آنذاك عن إمكانية إخضاعها لأشغال الإصلاح وإعادة التأهيل، حفاظاً على سلامة مستعمليها واستعادة وظيفتها الرياضية.
غير أن مرور السنوات لم يحمل، إلى حدود نونبر 2026، مؤشرات واضحة على عودة هذا المرفق إلى أداء دوره السابق، بل إن استمرار إغلاقه فتح الباب أمام مظاهر التدهور والإهمال التي طالت بنايته ومحيطها، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن مآل الوعود المرتبطة بإعادة تأهيله والجهات التي تتحمل مسؤولية تدبيره وصيانته.
ولم يظل الموضوع بعيداً عن النقاش داخل المؤسسات المنتخبة، إذ سبق لمجلس مقاطعة طنجة المدينة أن تداول، خلال يونيو 2026، ملتمساً يرمي إلى مطالبة المجلس الجماعي بالتعجيل بإصلاح وصيانة القاعة المغطاة “بدر”، مع وضعها رهن إشارة المقاطعة لتولي تدبيرها، في خطوة عكست استمرار المطالب بإيجاد حل لهذا الملف.
أي نموذج عمراني يترك مكاناً لذاكرة السكان؟
إن قضية قاعة “بدر” تتجاوز في أبعادها مسألة إغلاق منشأة رياضية أو تعثر مشروع إصلاح، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول مكانة الذاكرة المحلية ضمن السياسات العمرانية والتدبيرية التي تعرفها مدينة طنجة. فالتنمية الحضرية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الأوراش الجديدة والمشاريع الاستثمارية والتجهيزات الحديثة، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على الحفاظ على الفضاءات التي راكمت قيمة اجتماعية ورياضية لدى السكان.
فالمدن لا تصنع هويتها من خلال المباني الحديثة وحدها، بل تتشكل ذاكرتها عبر فضاءاتها القديمة، ومرافقها التي احتضنت تفاصيل الحياة اليومية، والأماكن التي ارتبطت بأسماء وأحداث ومحطات لا يمكن تعويضها بسهولة. ومن هذا المنطلق، فإن فقدان فضاء مثل قاعة “بدر” لوظيفته ومكانته يثير نقاشاً يتجاوز حدود الرياضة إلى مسألة الحفاظ على الذاكرة الحضرية لطنجة.
كما أن استعداد المدينة لاحتضان تظاهرات رياضية دولية، في أفق كأس العالم 2030، يجعل من الضروري طرح سؤال التوازن بين الاستثمار في البنيات التحتية الجديدة وإعادة الاعتبار للمرافق القائمة التي تحتاج إلى التأهيل والصيانة، خصوصاً تلك التي تحمل رصيداً تاريخياً وجماهيرياً.
مسؤولية التدبير ومطلب التوضيح
وأمام هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى توضيحات من جماعة طنجة بشأن الوضعية الحالية لقاعة “بدر”، ومآل مشروع إعادة تأهيلها، وما إذا كانت هناك قرارات نهائية بخصوص مستقبلها، فضلاً عن طبيعة التدخلات التي تعتزم الجهات المعنية القيام بها لحماية ما تبقى من هذا المرفق.

فالسؤال الذي يطرحه أبناء المدينة اليوم ليس فقط ما إذا كانت القاعة ستعود لاستقبال المباريات والأنشطة الرياضية، بل أيضاً لماذا استمر هذا الفضاء لسنوات خارج الخدمة، وما الذي حال دون تحويل الوعود السابقة إلى مشروع ملموس يعيد إليه الاعتبار.
وبين صورة تستحضر واقع المكان اليوم وذاكرة أجيال لا تزال تحتفظ بتفاصيله، تبدو قاعة “بدر” عنواناً لنقاش أكبر حول معنى الحفاظ على هوية طنجة، وحول مسؤولية المؤسسات في صيانة المرافق التي لا تقتصر قيمتها على وظيفتها العملية، بل تمتد إلى ما تحمله من ذاكرة جماعية.
فهل أصبحت التنمية في طنجة تعني بالضرورة التخلي عن بعض معالم ماضيها؟ وهل يمكن الحديث عن مدينة تحافظ على هويتها، بينما تظل فضاءاتها الرياضية والاجتماعية التي صنعت جزءاً من تاريخها عرضة للإهمال وفقدان الوظيفة؟
أسئلة تفرض نفسها بإلحاح، في انتظار أجوبة عملية تعيد الاعتبار لقاعة “بدر”، قبل أن تتحول ذكرياتها إلى مجرد صور يستعيدها أبناء طنجة بحسرة.


