الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
سنتان من الماء الشروب: لماذا لا يعني امتلاء السدود نهاية أزمة الماء في المغرب؟

سنتان من الماء الشروب: لماذا لا يعني امتلاء السدود نهاية أزمة الماء في المغرب؟

سنتان من الماء الشروب: لماذا لا يعني امتلاء السدود نهاية أزمة الماء في المغرب؟

قبل سنة، كانت سدود المغرب ممتلئة بالكاد إلى الثلث. اليوم بلغت الثلثين.

رقم كهذا يكفي لتغيير المزاج العام. فقد عاش المغاربة سنوات من الجفاف المتتالي، ومن صور السدود المتشققة، ومن الحديث عن قطع الماء ليلاً في بعض المدن.

لكن الانتباه يجب أن يذهب إلى الوحدة التي اختارها وزير التجهيز والماء نزار بركة وهو يقدّم الخبر أمام لجنة البنيات الأساسية بمجلس النواب. لم يقل إن الأزمة انتهت. قال إن المخزون الحالي يضمن الماء الصالح للشرب في جميع الأقاليم لمدة سنتين إضافيتين.

الأمن المائي، إذن، صار يُقاس بالسنوات المتبقية.

ما الذي تغيّر فعلاً؟

الوقائع، بحسب ما عرضه الوزير، واضحة: نسبة ملء السدود بلغت 66 في المائة مقابل نحو 32 في المائة في الفترة نفسها من السنة الماضية. والمخزون الإجمالي تجاوز 11 مليار متر مكعب.

البنية التحتية التي تحمل هذا الماء ليست صغيرة. 154 سداً كبيراً بطاقة إجمالية تبلغ 20,8 مليار متر مكعب، و150 سداً صغيراً وبحيرة تلية، و17 محطة لتحلية مياه البحر، و18 منشأة لتحويل المياه بين الأحواض.

هذا تحسن حقيقي، ولا معنى لإنكاره. السدود التي كانت قبل عام ترسل إشارات إنذار صارت اليوم تمنح هامشاً للتنفس.

لكن الهامش شيء، والحل شيء آخر.

رقمان يحتاجان إلى توضيح

إذا قسمنا 11 مليار متر مكعب على الطاقة التخزينية المعلنة (20,8 مليار)، نحصل على نسبة تقارب 53 في المائة، لا 66.

هذا لا يعني بالضرورة وجود خطأ. قد تُحتسب نسبة الملء على أساس مختلف، كالسدود المستغلة فقط دون تلك الحديثة أو قيد التشغيل. وقد يكون المخزون أعلى بكثير من «11 مليار» التي استُعملت كحد أدنى. وقد يكون الرقمان مأخوذين في تاريخين مختلفين.

لكن الفجوة تستحق التوضيح. حين يتعلق الأمر بالماء، وهو أكثر الملفات حساسية في السنوات الأخيرة، يجب أن تكون الأرقام الرسمية قابلة للقراءة من طرف المواطن دون أن يحتاج إلى تفسيرها بنفسه.

الماء الشروب ليس كل الماء

الضمانة التي قدّمها الوزير تخص ماء الصنبور. وهذا مهم، لأنه الحد الأدنى الذي لا تقبل أي دولة المساس به.

لكن الماء الشروب لا يمثل إلا جزءاً محدوداً من الاستهلاك الوطني. الحصة الكبرى تذهب إلى الفلاحة، بحسب التقديرات المتداولة رسمياً ودولياً.

هنا تظهر الفجوة بين الخطاب والواقع اليومي. سكان المدن قد يطمئنون إلى أن الماء سيبقى في البيوت سنتين. أما الفلاح الذي يعتمد على السقي، أو سكان الدواوير الذين يعتمدون على الآبار، فسؤالهم مختلف: ماذا عن الفرشة المائية؟

المياه الجوفية لا تمتلئ بموسم مطير واحد. ما استُنزف على مدى سنوات من الضخ المكثف يحتاج إلى سنوات لتعويضه، إن تم تعويضه أصلاً. السد يمتلئ في أسابيع، والفرشة تتعافى في عقود.

ولهذا فإن جملة «السدود ممتلئة بنسبة 66 في المائة» صحيحة، لكنها لا تختصر وضع الماء في المغرب.

من انتظار السماء إلى بناء المصانع

الرقم الأكثر دلالة في عرض الوزير ربما ليس نسبة الملء، بل 17 محطة تحلية و18 منشأة لتحويل المياه.

هذه أرقام تحكي عن تحول في الفلسفة. المغرب لم يعد يراهن على المطر وحده. صار يصنع الماء من البحر وينقله من حوض إلى آخر.

وهذا قرار منطقي في بلد يعيش على إيقاع تقلبات مناخية حادة. لكن التحول له وجه آخر: كل متر مكعب يُحلّى هو متر مكعب له تكلفة طاقية ومالية. الماء ينتقل تدريجياً من كونه «هبة من السماء» إلى كونه منتجاً صناعياً.

ويبقى سؤال مفتوح لا تجيب عنه المعطيات المتاحة: من سيتحمل هذه التكلفة على المدى البعيد، الميزانية العامة أم فاتورة المواطن؟

المفارقة الأخرى أن المطر نفسه لم يأتِ دائماً كنعمة. بعض المناطق عرفت فيضانات خلال الموسم الماضي. البلد الذي يشكو من ندرة الماء يشكو أحياناً من عجزه عن التعامل مع وفرته المفاجئة.

الخطر الذي لا يظهر في الأرقام

الخطر الحقيقي ليس أن تجف السدود من جديد. فهذا احتمال وارد في بلد يعرف دورات جفاف متكررة.

الخطر أن تُنسي الأمطارُ الأزمة.

حين امتلأت السدود في مواسم سابقة، عاد الحديث عن الماء إلى الهامش، وتراجع الإحساس بالاستعجال. ولا تكفي المعطيات الحالية للجزم بأن ذلك سيتكرر هذه المرة، لكن السؤال مشروع: هل ستُستعمل هذه السنتان لتسريع الإصلاحات، أم لتأجيلها؟

ترشيد الاستهلاك، ومراجعة الزراعات المستهلكة للماء، ومراقبة الضخ من الآبار، كلها ملفات تبدو أقل إلحاحاً حين يكون المخزون مطمئناً. وهي بالضبط اللحظة التي يجب أن تتقدم فيها.

كلمة أخيرة

المطر الذي جاء هذه السنة قد لا يأتي في السنة المقبلة. والسدود تحفظ الماء، لكنها لا تحفظ الذاكرة.

لذلك ربما لا يكون السؤال: كم سنة يكفينا ما في السدود؟

بل: ماذا سنفعل بهاتين السنتين؟

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

صورة الكاتب فتح برحيل

فتح برحيل

المدير المسؤول

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية

كل مقالات فتح برحيل ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب