حصة السوق وكلفة العطش: عندما تُبنى معادلة التصدير على أنقاض الأمن الغذائي
حين يُحتفى بتفوق المنتج الفلاحي الوطني في الأسواق الأوروبية، متجاوزاً عمالقة التقليد القاري، يُسوق الخبر عادة بوصفه “انتصاراً تجارياً كبيراً” لدفاتر الصادرات المغربية. لكن خلف بهجة الأرقام الملونة في تقارير الميزان التجاري، تختبئ حقيقة أخرى أكثر قسوة وتناقضاً.
فالمعادلة البسيطة التي تربط بين غزو الأسواق الخارجية ووفرة المداخيل تخفي خلفها كلفة باهظة لا تُدفع باليورو، بل تُقتطع مباشرة من جوف الأرض ومما تبقى على مائدة المواطن البسيط. هنا يبرز السؤال الذي تتجنبه لغة الأرقام الرسمية: ما قيمة أن تتربع الثمرة المغربية على رفوف أسواق مدريد وباريس، بينما تعاني مائدة المستهلك المحلي من لهيب الأسعار واستنزاف الموارد المائية، في ظل استراتيجيات كبرى رهنَت الفلاح بالعملة الصعبة؟
هندسة التفوق: من مخطط المغرب الأخضر إلى جحيم الجيل الأخضر
لا يمكن فهم هذا التفوق التجاري بمعزل عن المسار التخطيطي الذي رسمته السياسات الفلاحية الكبرى بالمغرب. فمنذ إطلاق “مخطط المغرب الأخضر”، وُجهت بوصلة الاستثمار العمومي والخاص نحو عصرنة الفلاحات التصديرية، وتوفير التحفيزات السخية للمقاولات الكبرى التي تراهن على الأسواق الدولية.
ومع الانتقال إلى استراتيجية “الجيل الأخضر”، جرى تثبيت هذا الخيار وهيكلته تحت عنوان “التنمية المستدامة والتوجه نحو الأسواق العالمية”. غير أن الهوة بدأت تتسع بين الشعار النظري والواقع الميداني؛ فالمنظومة التي نجحت في خلق أقطاب فلاحية تنافسية قادرة على إزاحة إسبانيا من عرش التصدير الأوروبي، صُممت أساساً لخدمة منطق الرأسمالية الزراعية العابرة للحدود، وليس لتأمين الاحتياجات الأساسية للسوق الداخلي. الفلاح الصغير وجد نفسه هامشياً في معادلة الدعم، بينما تحولت الأراضي والمياه نحو مزروعات شرهة للماء موجهة بالكامل نحو موائد الخارج.
المفارقة الكلاسيكية: أرقام التصدير وصدمة الأسواق المحلية
تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في الفجوة المتسعة بين نجاح استراتيجيات التصدير والقدرة الشرائية للمواطن:
- في دفاتر الموانئ والمطارات (ثمرة لثمار “المغرب الأخضر”: ارتفاع قياسي في حجوم الصادرات، تدفق للعملة الصعبة، وترسيخ لصورة المغرب كقوة فلاحية إقليمية صاعدة.
- في الأسواق المحلية: تضخم محموم في أسعار الخضر الأساسية، وضغط خانق على جيوب الأسر التي تجد أجود المنتوجات الوطنية تُحمل نحو الخارج عبر سلاسل القيمة المعتمدة في الاستراتيجيات الرسمية، بينما تحرم منها الأسواق الداخلية.
السياسة الفلاحية المرتبطة بـ”الجيل الأخضر” تبدو عاجزة عن ضبط التوازن بين متطلبات الميزان التجاري والأمن الغذائي الداخلي. عندما تتحول المائدة المحلية إلى خيار ثانوي أمام إغراءات التصدير، فإن الأمن الاجتماعي للداخل يتعرض لهزات متكررة لا تعوضها أرقام النمو الماكرو-اقتصادية.
ما وراء الأرقام: الاستدامة في اختبار العطش والمياه الجوفية
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في كيفية انتزاع مزيد من الحصص السوقية في أوروبا عبر آليات استراتيجيات أفرغت الفرشات المائية من محتواها، بل في مدى قدرة الدولة على تقييم الحصيلة الحقيقية لهذه السياسات. الاستمرار في تصدير منتجات شرهة للماء مثل الطماطم والحوامض في ظرفية مناخية تتسم بالجفاف الهيكلي يعني أننا نربح معركة “الحصص” التي وعد بها “المغرب الأخضر”، لنخسر معركة “البقاء الترابي” التي ينذر بها “الجيل الأخضر”.
المعضلة تجاوزت حدود الاقتصاد لتصبح قضية سياسات عمومية تقيس نجاحها الحقيقي بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد الخارجي، واستدامة الفرشات المائية، والعدالة الاجتماعية للمواطن الذي يقف عاجزاً أمام لهيب الأسعار.
كلمة أخيرة
التفوق في أسواق القارة العجوز يعكس كفاءة المقاولة المدعومة باستراتيجيات الدولة، لكنه يختبر، في الوقت ذاته، قدرة هذه السياسات على الإجابة عن السؤال الأهلية الأهم: هل نزرع لنطعم أهل الأرض، أم لنغذي أرقام التصدير في دفاتر لا تصل ثمارها أبداً إلى المائدة المحلية؟
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


