هل يسرق الذكاء الاصطناعي دور الكوتش؟ معركة المستقبل تبدأ الآن
” ثلاث هيئات دولية تفتح نقاشاً حول الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.. وأخلاقيات المهنة تعود إلى الواجهة “
حين تدخل التكنولوجيا مجال تطوير الإنسان، يصبح التحدي أكبر من تحسين الأداء: كيف نربح أدوات المستقبل دون أن نخسر الإصغاء والوعي والثقة؟
لم يعد الكوتشينغ مجرد ممارسة مهنية تساعد الأفراد على تحديد أهدافهم وتحسين أدائهم؛ إنه اليوم أمام اختبار دولي يعيد طرح سؤال جوهري: ما الذي يجعل العلاقة الإنسانية في رحلة التغيير ذات قيمة، في زمن تستطيع فيه الخوارزميات محاورة الإنسان، وتحليل كلماته، واقتراح مسارات متعددة لحل مشكلاته؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً نظرياً. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت ثلاث هيئات دولية بارزة في المجال، هي الاتحاد الدولي للكوتشينغ (ICF)، والرابطة من أجل الكوتشينغ (AC)، والمجلس الأوروبي للتوجيه والكوتشينغ (EMCC Global)، عن إطار للتعاون يروم تطوير استخدام مسؤول وأخلاقي للذكاء الاصطناعي في الممارسة المهنية. ويضع هذا التعاون حماية المستفيدين، وسرية المعطيات، والشفافية، والحدود المهنية، والمساءلة ضمن أولوياته.
إن أهمية هذا المستجد لا تكمن في مجرد اعتراف الهيئات المهنية بتأثير الذكاء الاصطناعي، بل في إدراكها أن مستقبل الكوتشينغ لن يتحدد بما تتيحه التكنولوجيا من أدوات فحسب، وإنما أيضاً بما تفرضه من مسؤوليات أخلاقية ومهنية.
من اتساع الوعي إلى محدودية الممارسة
تكشف دراسة الوعي العالمي بالكوتشينغ لعام 2026، التي نشرها الاتحاد الدولي للكوتشينغ في 23 أكتوبر 2026، عن مفارقة تستحق التأمل: فـ74 في المائة من المستهلكين الذين شملتهم الدراسة يعرفون الكوتشينغ، و66 في المائة يحملون انطباعاً إيجابياً عنه، لكن نسبة الذين سبق لهم الاستفادة منه لا تتجاوز 17 في المائة. وفي المقابل، عبّر 86 في المائة ممن خاضوا تجربة الكوتشينغ عن رضاهم عنها.
هذه الأرقام، كما تعرضها الدراسة، لا تثبت وحدها أن الكوتشينغ متاح للجميع أو أن نتائجه متشابهة في مختلف السياقات؛ لكنها تفتح باباً مهماً للنقاش: لماذا لا يتحول الوعي المتزايد بالمهنة إلى تجربة فعلية لدى شريحة أوسع من الناس؟
قد تتداخل في ذلك عوامل متعددة، من بينها الكلفة، وعدم وضوح الفرق بين الكوتشينغ والتدريب والاستشارة والعلاج النفسي…، فضلاً عن تفاوت جودة الممارسات وصعوبة التحقق من الكفاءة المهنية. وهي تحديات تفرض على المهنة أن تتجاوز التعريف بنفسها إلى بناء الثقة، وتوضيح حدود تدخلها، وإبراز القيمة التي يمكن أن تقدمها في سياقات محددة.
فليس كل شخص يحتاج إلى كوتش، وليس كل تعثر في الحياة يُحل بجلسة كوتشينغ. غير أن وضوح الأهداف، واتخاذ القرارات، وتطوير القيادة، وإدارة التحولات المهنية والشخصية، كلها مجالات يمكن أن يجد فيها الكوتشينغ موقعاً مفيداً، متى احترمت الممارسة اختصاصها وحدودها.
الذكاء الاصطناعي: مساعد قوي أم بديل عن العلاقة الإنسانية؟
تزداد المفارقة وضوحاً حين نقرأ مواقف المستهلكين من الذكاء الاصطناعي. فوفق الدراسة نفسها، يتوقع نحو ثلاثة أرباع المشاركين أن يكون للتكنولوجيا دور متوسط أو كبير في الكوتشينغ، بينما يفضّل 80 في المائة أن تظل الممارسة بقيادة بشرية. كما عبّر المشاركون عن مخاوف تتعلق بفقدان التعاطف والفهم الإنساني والتواصل الشخصي.
وهنا ينبغي تجنب موقفين متسرعين: أولهما رفض التكنولوجيا بدعوى أنها تهدد المهنة، وثانيهما اعتبار الذكاء الاصطناعي بديلاً مكتملاً عن الكوتش البشري.
يمكن للأدوات الرقمية أن تساعد في تنظيم الأفكار، وتلخيص المعلومات، وإعداد أسئلة للتأمل، ومتابعة الأهداف، وتوسيع فرص الوصول إلى الموارد التعليمية. لكن هذه الإمكانات لا تعني أن الأداة الرقمية تتحمل تلقائياً مسؤولية مهنية عن قراراتها أو عن أثرها في المستفيد.
أما الكوتش البشري، فقيمته لا تُختزل في امتلاك الأسئلة الجيدة أو تقديم تقنيات جاهزة. إنها تتجلى أيضاً في جودة الحضور، والإنصات لما يقال وما يصعب قوله وما يقال بحسبه، وكذا احترام إيقاع المستفيد، والانتباه إلى السياقات التي يتحرك داخلها، ومساعدته على استكشاف خياراته دون مصادرة حقه في الاختيار.
ولا يعني ذلك أن الإنسان معصوم من الخطأ أو أن التكنولوجيا عاجزة عن تقديم دعم مفيد؛ بل يعني أن علينا التمييز بين أداة تساعد على التفكير، وعلاقة مهنية تتطلب اتفاقاً واضحاً، وثقة، وحدوداً، ومسؤولية.
الكوتشينغ والحياة.. أين تبدأ حدوده وأين تنتهي؟
يمتد الاهتمام بالكوتشينغ إلى مجالات متباينة: من القيادة وتطوير المسار المهني إلى تحسين التواصل، والتعامل مع التغيير، وبناء العادات، وتوضيح الأولويات الشخصية. وتزداد أهميته المحتملة في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه طبيعة العمل، وتتداخل فيه الضغوط المهنية مع تحديات الحياة اليومية.
لكن توسيع مجالات الاستعمال لا ينبغي أن يتحول إلى ادعاء بأن الكوتشينغ قادر على معالجة كل المشكلات. فالحالات التي تتطلب تشخيصاً أو علاجاً نفسياً أو تدخلاً طبياً تستلزم اللجوء إلى المختصين المؤهلين. كما أن الاستشارة القانونية أو المالية المتخصصة لا يعوضها طرح الأسئلة وحده.
إن احترام هذه الحدود ليس انتقاصاً من الكوتشينغ؛ بل هو شرط من شروط مهنيته. فكلما كان الكوتش واضحاً بشأن ما يستطيع تقديمه وما يتجاوز اختصاصه، ازدادت إمكانية بناء علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية.
امتحان المهنة: الجودة قبل الانتشار
إن التعاون الدولي الجديد بشأن الذكاء الاصطناعي يضع المهنة أمام مسؤولية مزدوجة: الاستفادة من التحول الرقمي، والعمل في الوقت نفسه على حماية المستفيد من سوء استخدام التكنولوجيا أو تسريب معطياته أو تضليل توقعاته بشأن النتائج الممكنة.
ويقتضي ذلك تطوير التكوين المستمر، وترسيخ أخلاقيات الممارسة، وتوضيح المؤهلات المهنية، واحترام الخصوصية، والإفصاح عن استخدام الأدوات الرقمية عندما يكون ذلك ضرورياً، فضلاً عن إبقاء المسؤولية المهنية واضحة وغير ملتبسة.
أما في السياق العربي وخاصة المغربي، فيمكن قراءة هذه التحولات بوصفها فرصة لفتح نقاش جاد حول جودة التكوين، والتمييز بين الكوتشينغ المهني والممارسات التي تستعمل الاسم دون تأهيل كافٍ، وتعزيز الثقافة العامة بشأن الفرق بين الكوتشينغ والعلاج والاستشارة. وهذه دعوة تحليلية تفرضها التحولات الدولية، وليست ادعاءً بأن الهيئات الثلاث أصدرت تشريعاً خاصاً بالمغرب أو العالم العربي.
الرهان الحقيقي: أن يبقى الإنسان في مركز التغيير
قد تتطور الخوارزميات بسرعة، وقد تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على محاكاة الحوار وتنظيم المعلومات. لكن التحدي الذي يواجه الكوتشينغ ليس سباقاً لإثبات أن الإنسان أذكى من الآلة، بل بناء ممارسة تعرف كيف تستفيد من التكنولوجيا دون أن تتخلى عن قيمها المهنية.
فالغاية ليست أن يخرج المستفيد من الجلسة محمّلاً بمزيد من النصائح، بل أن يصبح أكثر قدرة على فهم وضعه، وتوسيع خياراته، واتخاذ قراره، وتحمل مسؤولية الخطوة التي يختارها.
وفي النهاية، لا يُقاس مستقبل الكوتشينغ بعدد الأدوات الرقمية التي يمتلكها، بل بقدرته على الجمع بين الابتكار والمسؤولية، وبين جودة الممارسة واحترام الإنسان. فالذكاء الاصطناعي قد يفتح أبواباً جديدة أمام التغيير، لكن صون حرية الاختيار والثقة والكرامة يظل امتحاناً لا يجوز أن يغيب عن أي ممارسة تدّعي مساعدة الإنسان على النمو.


