مهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جداً.. حين تتجاوز الصورة حدود الشاشة إلى الإنسان

الدورة التاسعة تحتفي بتنوع السينما العالمية، وتكرم أسماء فنية مغربية وأجنبية، وتستحضر دور الثقافة في دعم المدرسة العمومية وإشاعة قيم التواصل والتضامن.
ليست قيمة المهرجانات السينمائية في عدد الأفلام التي تعرضها، ولا في أسماء الفنانين الذين تستضيفهم فحسب، بل في قدرتها على جعل الصورة مدخلاً لفهم الإنسان، واكتشاف اختلاف التجارب، وفتح نوافذ جديدة للحوار الثقافي. ومن هذا المنظور، جاء افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جداً، مساء الخميس 5 نونبر 2026، ليجمع بين الاحتفاء بالإبداع السينمائي واستحضار أدوار الثقافة في بناء جسور التواصل الإنساني والتربوي.
وتنظم هذه التظاهرة جمعية أصدقاء المسرح والسينما بمراكش، خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 7 نونبر 2026، بدار الثقافة الداوديات، في سياق الاحتفاء بعيد الوحدة وتخليد ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء المظفرة، بما يضفي على الموعد بعداً ثقافياً ووطنياً.
السينما الكندية.. هوية فنية في فضاء عالمي

خصصت الدورة التاسعة حيزاً للاحتفاء بالسينما الكندية ضمن فقرة «Film Global Week»، من خلال تقديم تجربة سينمائية استطاعت أن تبني خصوصيتها الفنية في ظل الحضور الطاغي لصناعة هوليوود.
وقد توقف التقديم عند مكونين أساسيين لهذه التجربة: سينما كيبيك الناطقة بالفرنسية، بما تتميز به من جرأة وابتكار، والسينما الكندية الناطقة بالإنجليزية، التي تنشغل بأسئلة الهوية والعلاقات الإنسانية والتعدد الثقافي.
وفي هذا الإطار، حظيت المخرجة الكندية فانيسا تاتيانا بير (Vanessa Tatjana Beerli) بتكريم المهرجان، تقديراً لتجربتها السينمائية وانفتاحها على المشهد الدولي، كما جرى تقديم فيلمها الكيبيكي «Petite Poule Rousse» ضمن فقرة الاحتفاء بالسينما الكندية.
لجنة تحكيم دولية.. السينما مساحة للحوار وتبادل الرؤى
وعلى مستوى لجنة التحكيم، تولى المخرج والمنتج الإيطالي أندريا مورغان (Andrea Morgan) رئاستها، وهو مهتم بالسينما الوثائقية ذات الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب اهتمامه بالحوار بين الأديان والعمل التطوعي.
وفي كلمته، عبر مورغان عن اعتزازه بعودته إلى المغرب ومشاركته في هذه التظاهرة، موجهاً الشكر إلى الجمعية المنظمة وإدارة المهرجان، ومؤكداً تطلعه إلى اكتشاف أفلام المسابقة الرسمية ومناقشتها مع بقية أعضاء اللجنة.
ولم يقتصر حديثه على مهمة التحكيم باعتبارها عملية تقييم للأعمال، بل أبرز ما تتيحه من نقاش وتبادل للخبرات واختلاف في زوايا النظر، وهي عناصر تمنح التجربة السينمائية قيمة تتجاوز لحظة العرض.
تكريمات تستحضر الذاكرة الفنية والإبداع الإنساني
حضر الفن المغربي بقوة في لحظات الاعتراف والوفاء، من خلال تكريم الممثل محمد بوصبع، المنحدر من إقليم سيدي قاسم، تقديراً لمساره ومشاركته في عدد من الأعمال الفنية، من بينها «صافي سالينا» و«المحبة الزايدة» و«دار الليان» و«حديدان».
وفي كلمته بالمناسبة، عبر بوصبع عن سعادته بهذا التكريم، معتبراً أنه لا يخص شخصه وحده، بل يحتفي بفن السينما وبمختلف المبدعين الذين يقفون وراء إنتاجها، من كتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين.
ومن أبرز الرسائل التي حملتها كلمته أن قيمة الفيلم القصير جداً لا تقاس بمدة عرضه، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه في نفوس المشاهدين. كما شدد على أن الفن ليس تفاهة أو ترفاً، بل قضية إنسانية وإبداعية تستحق الاهتمام والحماية.
ومن عالم التمثيل إلى الصورة الفوتوغرافية، خص المهرجان الفنان الفرنسي جيلبير فاسور (Gilbert Vasseur) بتكريم خاص، تقديراً لمساره في التصوير الفوتوغرافي والفن البصري، واهتمامه بتوثيق الحياة اليومية والوجوه والحكايات الإنسانية، فضلاً عن علاقته الثقافية والإنسانية بالمغرب ومراكش.
ومن جهة أخرى، ألقت زوجته ” سيسيل ” كلمة كشفت فيها عن عمق ارتباطهما بالمغرب، وعن الدور الذي تضطلع به مؤسسة «Fondation Goha Atlas» في دعم المبادرات الثقافية والإنسانية والتربوية.
كما استحضرت المسار السينمائي المبكر لزوجها، مشيرة إلى حصوله سنة 1973 على جائزة أصغر مخرج بمنطقة أو دو فرانس، بعد إنجازه فيلماً قصيراً بتقنية Super 8 بعنوان «Gabriel»، مستوحى من أغنية للفنان الفرنسي سيرج ريجياني.
من المهرجان إلى المدرسة.. الثقافة استثمار في الأجيال
هذا وتمثلت أبرز لحظات الأمسية في الكشف عن مشروع المكتبات المدرسية الذي تدعمه مؤسسة «Goha Atlas»، بشراكة مع جمعية أصدقاء المسرح والسينما بمراكش.
ويستهدف المشروع إحداث مكتبات داخل أكثر من عشرين مؤسسة تعليمية بمراكش ونواحيها، وتجهيزها بالكتب العربية والفرنسية، مع تهيئة فضاءات ملائمة للقراءة والتعلم.
وقد أكدت ” سيسيل ” أن هذه المبادرة لا تختزل في تقديم دعم مادي للمؤسسات، بل تعكس فلسفة المؤسسة في جعل الثقافة وسيلة للتعارف بين ضفتي المتوسط، وأداة لإيقاظ الوعي وتوسيع آفاق المعرفة والخيال والفضول والحس النقدي لدى الأطفال.
واستحضرت في هذا السياق زيارة مدرسة بمنطقة أوكايمدن الجبلية، وما لمسته من تفانٍ لدى الأطر التربوية وحرص على ترسيخ القراءة، مشيرة إلى تأثرها باهتمام التلاميذ بحكايات جان دو لافونتين.
كما جرى التأكيد خلال الأمسية على أن المشروع يمثل دعماً موجهاً لتلاميذ المدرسة العمومية المغربية، وأنه يتجاوز توفير الكتب إلى المساهمة في بناء فضاءات للقراءة والتعلم.
وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل التي حملها افتتاح المهرجان: أن الثقافة لا ينبغي أن تظل حبيسة قاعات العرض ومنصات التكريم، بل عليها أن تجد طريقها إلى المدرسة والطفل والمجتمع.
المسابقة الرسمية.. حكايات من بلدان وثقافات متعددة
بعد فقرات الافتتاح والتكريم، انطلقت عروض المسابقة الرسمية، التي شكلت مناسبة لاكتشاف أعمال سينمائية قصيرة جداً من تجارب وبلدان مختلفة، بما يعكس التنوع الجغرافي والثقافي للمهرجان.
وضمت الدفعة الأولى أفلاماً من تونس وكندا ومصر، من بينها «Je veux rentrer chez moi» للمخرجة الكندية ميغان دوبون، وفيلم «العائد» للمخرج المصري أسامة كاشف، إلى جانب أعمال أخرى قدمها مخرجون مشاركون من تونس ومصر.
أما الدفعة الثانية، فقد عززت الحضور العربي والمغربي ضمن المسابقة، من خلال أفلام من المغرب وكندا والأردن والعراق، شملت الفيلم المغربي الذي قدمه مخرجه منير علواني بعنوان «خيوط البهجة»، والفيلم الكندي «Sir» للمخرجة ماري كلود بيشار، والفيلم الأردني «The Sin» للمخرج حسن مقداد، والفيلم العراقي «The Shoes» للمخرج سردار زنكنة.
وقد أضفت كلمات بعض المخرجين على العروض بعداً تواصلياً وإنسانياً، إذ عبر المخرج التونسي محمد ياسين عن سعادته بعرض فيلمه أمام الجمهور المراكشي، متمنياً أن يتجاوز العمل حاجز اللغة وأن يصل إلى وجدان المشاهدين، كما كشف أن الفيلم صُوّر في يومين فقط، ضمن سلسلة من أربعة أفلام أنجزها الفريق نفسه خلال أسبوع واحد.
ومن جهته، اختار المخرج المغربي منير علواني تقديم فيلمه «خيوط البهجة» بعبارة رمزية لافتة، استحضر فيها الخيوط التي تشد الإنسان إلى الأسفل، ممثلة في الخوف وضغوط المجتمع والعادات، مقابل خيط واحد يشده إلى السماء، هو خيط الحب والحرية.
وهي عبارة تمنح الفيلم مدخلاً تأويلياً، وتفتح أمام المشاهد أفقاً للتفكير في القيود التي تحاصر الإنسان، وفي ما يمكن أن يحرره ويمنحه القدرة على استعادة اختياراته وأفقه الإنساني.
السينما القصيرة جداً.. تكثيف في الزمن واتساع في المعنى
تتوزع رهانات المسابقة الرسمية على مجموعة من الجوائز الفنية، في إطار تشجيع الإبداع السينمائي والاحتفاء بمختلف مكونات العمل الفيلمي، من الفكرة والكتابة إلى الإخراج والصورة.
غير أن خصوصية الفيلم القصير جداً تكمن أساساً في قدرته على اختزال الحكاية دون إفقارها، وتقديم فكرة أو موقف أو سؤال إنساني في زمن محدود، مع ترك مساحة للمشاهد كي يشارك في بناء المعنى وتأويل الصورة.
ومن هنا تكتسب مشاركة أفلام من بلدان وثقافات متعددة أهمية خاصة، لأنها تضع الجمهور أمام طرق مختلفة في النظر إلى العالم، وتؤكد أن اختلاف اللغة لا يمنع بالضرورة وصول الرسالة الإنسانية.
نقطة على الحرف: من سحر الصورة إلى أثر الثقافة
ما ميز افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جداً هو الجمع بين ثلاثة أبعاد متكاملة: الاحتفاء بالتجارب السينمائية، وتكريم الذاكرة الفنية، والانفتاح على مبادرات تربوية تجعل من الثقافة أداة للتنمية الإنسانية.
فإذا كانت السينما تتيح لنا مشاهدة العالم بعيون الآخرين، فإن المكتبة تمنح الأجيال الناشئة فرصة اكتشاف العالم بأدوات المعرفة والخيال والتفكير النقدي.
ولعل الرسالة الأعمق لهذه الدورة تكمن في هذا التلاقي بين الشاشة والمدرسة: أن نحتفي بالفن، نعم، لكن أن نعمل أيضاً على توسيع دوائر الاستفادة من الثقافة، حتى لا تبقى امتيازاً محصوراً في الفضاءات الفنية.
واختُتمت الأمسية بتوجيه الشكر إلى كل المساهمين في إنجاح حفل الافتتاح، وإلى الضيوف والحاضرين، مع التمنيات بالتوفيق للأفلام المشاركة، وتجديد الدعوة إلى الجمهور لمتابعة بقية العروض.
ومن المرتقب أن تتواصل عروض الأفلام يوم الجمعة 6 نونبر، على أن تختتم فعاليات الدورة التاسعة يوم السبت 7 نونبر، في موعد ينتظر أن يتوج المسابقة بالإعلان عن النتائج والاحتفاء بالأعمال المتوجة.
عاشت السينما، لكن الأجمل أن تظل الثقافة حية في المدرسة والشارع والوجدان؛ فالصورة قد تنتهي على الشاشة، أما أثرها في الإنسان فيمكن أن يستمر طويلاً.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


