مجلس الأمن والمينورسو.. نهاية مرحلة أم إعادة تشكيل للحضور الأممي في الصحراء؟
لم يكن فشل مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد قرار جديد بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، مجرد تعثر إجرائي في تجديد ولاية بعثة أممية اعتاد المجلس تمديد مهمتها بشكل سنوي، ما حدث يتجاوز ذلك بكثير، لأنه كشف عن انتقال الخلاف الدولي من طبيعة الحل السياسي للنزاع إلى مستقبل الآلية الأممية التي ظلت تؤطر تدبيره منذ سنة 1991، وبين الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي، وفشل المشروع الروسي البديل، وجدت المينورسو نفسها أمام وضع غير مسبوق، بعدما انتهت ولايتها دون صدور قرار جديد بتمديدها.
غير أن فهم دلالات هذه اللحظة يقتضي العودة إلى المسار الذي أوصل الملف إليها، فمنذ تأسيس المينورسو بموجب القرار 690 الصادر عن مجلس الأمن سنة 1991، في إطار مخطط التسوية الذي وافق عليه المغرب وجبهة البوليساريو، ارتبط وجود البعثة أساسا بمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لتنظيم استفتاء لتقرير المصير. وكان التصور الأولي يقوم على مرحلة انتقالية تنتهي بتمكين سكان الإقليم من الاختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب.
لكن هذا التصور اصطدم منذ مراحله الأولى بخلافات معقدة حول تحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة في الاستفتاء، قبل أن تتراكم الصعوبات السياسية والميدانية التي جعلت تنظيمه أمرا متعذرا، وهكذا تحولت المينورسو تدريجيا من بعثة يفترض أن تقود إلى استحقاق محدد زمنيا إلى آلية أممية مستمرة تتجدد ولايتها كل سنة، بينما ظل الهدف السياسي الذي تأسست من أجله بعيد المنال.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في تاريخ البعثة: فقد استمر وجودها لأكثر من ثلاثة عقود دون أن تتمكن الأمم المتحدة من تنفيذ التصور الأصلي الذي برر إنشاءها، ومع مرور الوقت أصبح السؤال حول جدوى استمرارها بالصيغة نفسها يفرض نفسه، خصوصا بعدما تغيرت موازين النقاش الدولي، وتطورت مواقف عدد من الدول المؤثرة من مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007.
ولم يكن التحول الذي ظهر في أكتوبر 2026 وليد لحظة التصويت الأخيرة، بل سبقه مسار دبلوماسي مهم، فقد شكل القرار 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، محطة أساسية في هذا الاتجاه، بعدما جدد ولاية المينورسو وربط مستقبلها بمراجعة استراتيجية ينجزها الأمين العام للأمم المتحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج المفاوضات بين الأطراف المعنية، وبتالي لم يعد تجديد الولاية مجرد إجراء روتيني، بل أصبح مرتبطا بتقييم مدى ملاءمة البعثة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
لتأتي المراجعة الاستراتيجية التي أحيلت إلى أعضاء مجلس الأمن في 13 أكتوبر 2026 لتطرح أكثر من احتمال بشأن مستقبل البعثة، فقد تحدثت عن إمكانية تعديل انتشارها وتقليص بعض مكوناتها العسكرية، مع تعزيز وسائل المراقبة التقنية والتحليل، كما طرحت إعادة تقييم استمرارية وجودها إذا لم يتحقق تقدم سياسي ملموس، لتلقي أيضا على إمكانية تكييف مهمتها لدعم تنفيذ تسوية سياسية محتملة، وهذا يعني أن الأمم المتحدة نفسها كانت قد بدأت تطرح سؤال مستقبل المينورسو، ولم يعد النقاش مقتصرا على المواقف السياسية للدول والأطراف المعنية.
حيث سبقت أن شهدت سنة 2026 تحركات دبلوماسية ومفاوضات مباشرة برعاية أمريكية، شملت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وعرفت جولات من النقاش في واشنطن ومدريد، وقد شكلت هذه التحركات خلفية أساسية للنقاش داخل مجلس الأمن، خاصة أن المشروع الأمريكي استند إلى نتائج هذا المسار، وسعى إلى جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لمواصلة المفاوضات.
وهنا بدأ الخلاف يأخذ أبعادا أكثر وضوحا، فالولايات المتحدة لم تعد تطرح فقط تجديد ولاية المينورسو، بل اتجهت نحو إعادة صياغة مهمتها بما يتناسب مع تصور جديد للمسار السياسي، وقد اقترح المشروع الأمريكي تغيير اسم البعثة من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، مع حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها، إلى جانب تمديد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027، وطلب تقديم مقترحات بشأن بنيتها ومواردها ومستقبل مهامها.
كما منح المشروع مقترح الحكم الذاتي المغربي مكانة مركزية في المفاوضات، معتبرا إياه الأساس الوحيد لمواصلة المناقشات، وهو ما أثار تحفظات روسية وصينية، فضلا عن ملاحظات من أعضاء آخرين داخل المجلس، فقد اعتبرت هذه الدول أن اعتماد صياغة من هذا النوع قد يؤدي إلى استباق نتيجة العملية السياسية، ويضعف مبدأ التفاوض بين الأطراف، خصوصا في ظل استمرار الخلاف حول تقرير المصير.
واللافت أن المشروع الأمريكي لم يحتفظ بصيغته الأولى دون تعديل، بل عرف مراجعات متتالية بعد اعتراضات عدد من أعضاء المجلس، فقد جرى تخفيف بعض العبارات التي كانت تقدم الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد الممكن، لتصبح الصياغة أكثر ارتباطا بإمكانية الحل السياسي المتوافق عليه، مع إعادة التأكيد على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة بما فيها تقرير المصير، كما تراجع المشروع عن بعض المقترحات الأولية المتعلقة بإنهاء مهمة حفظ السلام وتحويلها مباشرة إلى بعثة سياسية خاصة، تاركا مسألة مستقبل البعثة لمراجعة لاحقة يقدمها الأمين العام.
غير أن هذه التعديلات لم تكن كافية لتجاوز الخلاف مع موسكو وبكين، فروسيا رأت أن النص رغم تعديل بعض عباراته، ما زال يكرس مقاربة أحادية ويمنح مقترح طرف واحد موقعا متقدما على حساب الإطار الأممي الذي استندت إليه قرارات مجلس الأمن السابقة، أما الصين فشددت على ضرورة الحفاظ على المرجعية المتراكمة لقرارات المجلس، وحذرت من أن تحديد نتيجة المفاوضات مسبقا قد يقوض الثقة بين الأطراف.
ليتسم موقف جبهة البوليساريو بالرفض الواضح للصيغة الأمريكية، حيث حذرت في رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن من أن اعتماد المشروع دون تعديلات جوهرية قد يدفعها إلى الانسحاب من العملية السياسية، وهو ما أضاف عنصرا آخر إلى المشهد، وجعل المجلس أمام معادلة صعبة: كيف يمكن إعادة توجيه المسار السياسي دون فقدان أحد أطرافه، وكيف يمكن مراجعة مهمة البعثة دون المساس بالتوازنات التي تأسست عليها؟
وجاءت جلسة 30 أكتوبر لتكشف عن عمق هذا الانقسام، فقد حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتا مؤيدا، مقابل صوت روسي واحد ضده، مع امتناع الصين وباكستان والصومال، غير أن الفيتو الروسي حال دون اعتماده، لتقدم روسيا بعدها مشروع قرار مضادا يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية دون التغييرات التي اقترحتها واشنطن، لكنه لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي ضده وامتناع 11 عضوا.
وبذلك لم يتمكن أي من الطرفين من فرض تصوره داخل مجلس الأمن، فالولايات المتحدة امتلكت أغلبية عددية واضحة، لكنها اصطدمت بحق النقض الروسي، في حين عجزت موسكو عن توفير الحد الأدنى من الدعم اللازم لتمرير مشروعها، والنتيجة لم تكن انتصار مشروع على آخر، بل فشل المجلس في إنتاج قرار توافقي بشأن مستقبل بعثة أممية ظلت حاضرة في المنطقة منذ أكثر من 35 سنة.

وتكشف هذه النتيجة عن مفارقة دبلوماسية تستحق التوقف عندها، فمن جهة أظهر التصويت أن المقاربة الأمريكية تحظى بدعم واسع داخل المجلس، بما في ذلك تأييد فرنسا وبريطانيا وعدد من الأعضاء المنتخبين، ومن جهة أخرى أثبت الفيتو الروسي أن هذا الدعم لا يكفي لتحويل التوجه الأمريكي إلى قرار أممي طالما استمرت الانقسامات بين الدول الدائمة العضوية، وهو ما يعيد التأكيد على أن مجلس الأمن لا يشتغل فقط بمنطق الأغلبية، بل تحكمه أيضا حسابات التوازنات الدولية وحق النقض.
بخصوص الموقف المغربي فقد جاء واضحا في أعقاب الجلسة، من خلال بلاغ للديوان الملكي اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطورا مهما وخطوة في اتجاه الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، كما دعا إلى إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، معتبرا أن مرحلة استمرت 35 سنة قد وصلت إلى نهايتها، وأن تدبير القضية ينبغي أن ينتقل من منطق إدارة النزاع إلى منطق تغيير معايير التعامل معه.
ويعكس هذا الموقف رغبة مغربية في استثمار التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، خصوصا اتساع الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، غير أن قراءة هذا التطور تقتضي التمييز بين الموقف السياسي المغربي وبين الآثار القانونية والمؤسساتية لعدم تجديد الولاية، فعدم اعتماد قرار جديد يعني أن الولاية انتهت في موعدها، لكنه لا يعادل من الناحية القانونية صدور قرار مستقل بإنهاء البعثة أو تحديد جميع ترتيبات انسحابها، كما أن انتهاء مهمة المينورسو لا يعني بالضرورة انتهاء ولاية مجلس الأمن في مناقشة القضية أو زوال الإطار الأممي الذي تراكم عبر قراراته السابقة.
لذا فالتحدي هنا لا يتعلق فقط بمغادرة أفراد البعثة أو سحب معداتها، بل بما سيترتب عن ذلك على مستوى مراقبة وقف إطلاق النار، والاتصالات الميدانية، وآليات منع التصعيد.
فالمينورسو رغم عدم نجاحها في تحقيق الهدف الأصلي المرتبط بالاستفتاء، ظلت تؤدي وظائف ميدانية وأمنية لا يمكن تجاهلها، وأي فراغ قد ينشأ عن غيابها يطرح سؤال الضمانات البديلة التي يمكن أن تحول دون تدهور الوضع، خصوصا في ظل استمرار التوترات الميدانية منذ سنة 2020.
كما أن ما حدث يفتح النقاش حول مستقبل دور الأمم المتحدة في الملف، فهل ستستمر الوساطة السياسية تحت إشراف الأمين العام ومبعوثه الشخصي، حتى في غياب المينورسو؟ وهل سيظل مجلس الأمن يتابع القضية من خلال تقاريره واجتماعاته الدورية؟ أم أن الاتجاه نحو إنهاء البعثة سيقود إلى إعادة صياغة أوسع لطبيعة الحضور الأممي؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن البعثة الميدانية والمسار السياسي ليسا شيئا واحدا، فقد يتغير شكل الأولى دون أن ينتهي الثاني، كما أن انتهاء الولاية لا يحسم تلقائيا مستقبل المفاوضات.
كما لا يجب إغفال أن الخلاف حول المينورسو يعكس في جزء منه صراعا حول المرجعية التي ستؤطر أي تسوية مقبلة، فالمغرب يسعى إلى تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الواقعي والعملي للحل، بينما تتمسك الجزائر وجبهة البوليساريو بمرجعية تقرير المصير وفق تصور مختلف لمآلاته، أما القوى الدولية فتتحرك وفق حسابات تتداخل فيها المبادئ القانونية مع المصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية، ولذلك فإن الخلاف الذي ظهر داخل مجلس الأمن لا يتعلق فقط باسم البعثة أو مدة ولايتها، بل بما إذا كان المجتمع الدولي مستعدا للانتقال من الإطار الذي حكم الملف منذ 1991 إلى إطار سياسي جديد.
إن ما جرى يوم 30 أكتوبر لا يمكن اعتباره نهاية النزاع، كما لا يمكن اختزاله في مجرد فشل تقني لقرار أممي، إنه مؤشر على وصول الصيغة التقليدية لتدبير الملف إلى لحظة اختبار حقيقية، وعلى أن مستقبل المينورسو أصبح جزءا من النقاش حول مستقبل التسوية نفسها، وإذا كانت التحولات الدبلوماسية الأخيرة قد عززت موقع المقترح المغربي، فإن تحويل هذا الزخم إلى نتيجة سياسية نهائية يظل رهينا بقدرة الأطراف المعنية على الانخراط في مسار تفاوضي واضح، وبمدى استعداد القوى الدولية لتوفير أرضية مشتركة تمنع استمرار الانقسام.
لقد انتهى أجل ولاية بعثة المينورسو دون أن يتفق مجلس الأمن على تمديدها، لكن ذلك لا يعني أن الأمم المتحدة أنهت مسؤوليتها عن الملف، ولا أن التسوية أصبحت أمرا محسوما، وما بين نهاية صيغة أممية قديمة وبداية مرحلة غير واضحة المعالم، يظل السؤال الأهم: هل سيكون غياب المينورسو مدخلا لإعادة بناء مسار سياسي أكثر واقعية وفعالية، أم أن فشل التوافق الدولي سيضيف حلقة جديدة إلى مسلسل طويل من إدارة النزاع دون حسمه؟
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


