مراجعة مدونة الشغل في المغرب.. الحكومة تتجه إلى تنظيم العمل عن بعد باعتماد المنصات الرقمية
يتجه المغرب نحو مراجعة جديدة لمدونة الشغل خلال سنة 2027، في إطار توجه حكومي يروم مواكبة التحولات التي يعرفها سوق العمل وإدماج أنماط التشغيل الحديثة ضمن الإطار القانوني، وعلى رأسها العمل عن بعد، والاشتغال عبر المنصات الرقمية، والعمل بدوام جزئي، بما يتيح مواكبة التحولات التكنولوجية وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية والمهنية للعاملين في هذه المجالات.
ويأتي هذا التوجه ضمن المقتضيات والتوجهات الواردة في مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، التي نشرتها وزارة الاقتصاد والمالية والأداء العمومي، حيث تتجه الحكومة إلى ملاءمة التشريع الاجتماعي مع أنماط العمل التي توسع انتشارها خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد التحولات التي أعقبت جائحة كوفيد-19، وما رافقها من توسع في العمل عن بعد والخدمات الرقمية. ويستهدف هذا التوجه، وفق ما أوردته المذكرة، تعزيز جودة التشغيل وضمان ظروف عمل لائقة، بدل الاقتصار على قياس السياسات العمومية بعدد مناصب الشغل المحدثة.
وتكتسي مراجعة المدونة أهمية خاصة بالنظر إلى أن القانون الحالي، رقم 65.99، يعود إلى سنة 2003، بينما عرف سوق الشغل منذ ذلك التاريخ تحولات عميقة في طبيعة المهن والعلاقات التعاقدية ووسائل أداء العمل. فقد أصبح عدد من العاملين يقدمون خدماتهم عبر تطبيقات ومنصات رقمية، فيما باتت مؤسسات ومقاولات تعتمد صيغ العمل عن بعد أو الأنظمة الهجينة، وهو ما يطرح أسئلة بشأن طبيعة العلاقة بين الأجير والمشغل، وساعات العمل، والتعويضات، والتغطية الاجتماعية، والمسؤولية عن ظروف العمل.
ولا تقتصر التوجهات الحكومية على مراجعة النص القانوني، إذ تتضمن أيضا التفكير في إقرار “ميثاق العمل اللائق”، الذي من شأنه ربط الاستفادة من الدعم العمومي الموجه للتشغيل باحترام مجموعة من الضمانات، من بينها توفير عقود عمل مصرح بها، والتغطية الاجتماعية ابتداء من اليوم الأول للعمل، واحترام أوقات العمل القانونية ومعايير الصحة والسلامة المهنية. كما تتجه الحكومة إلى إحداث علامة “المشغل النموذجي”، التي تستهدف تثمين المقاولات التي توفر شروطا مهنية جيدة، مع إمكانية منحها امتيازات في الولوج إلى الصفقات العمومية وآليات الدعم.
وتعكس هذه التوجهات محاولة للانتقال من مقاربة تركز على إحداث مناصب الشغل إلى مقاربة تضع جودة العمل واستدامته والحماية الاجتماعية في صلب السياسات العمومية. غير أن نجاح هذا الورش سيظل مرتبطا بالتفاصيل التشريعية التي ستتضمنها الصيغة النهائية لمراجعة المدونة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين مرونة أنماط التشغيل الجديدة وضمان الحقوق الأساسية للعاملين، خصوصا الفئات الشابة والمهنيين الذين يشتغلون خارج الأشكال التقليدية للعلاقة الشغلية.
وإلى حين بلورة النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بهذا الإصلاح، تظل هذه المراجعة توجها حكوميا معلنا ضمن وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2027، وليست تعديلا نافذا لمدونة الشغل. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد الكيفية التي ستترجم بها هذه الالتزامات إلى مقتضيات قانونية قابلة للتطبيق والمراقبة.


