حين تمتلئ السدود.. هل يرتوي المجال؟
ارتفعت نسبة ملء السدود بالمغرب إلى أكثر من 65 في المائة، وانتعش مخزون حوض تانسيفت، لكن وفرة المياه في السدود لا تعني بالضرورة أن أزمة الماء انتهت. فبين المدن والقرى، وبين الشرب والسقي، يظل التحدي الحقيقي هو ضمان التوزيع العادل والاستعمال المستدام.
بعد سنوات من الإجهاد المائي وتوالي مواسم الجفاف، تحمل المؤشرات المائية المسجلة مع بداية نونبر 2026 جرعة من التفاؤل. فقد تجاوز المخزون المائي الوطني 11.2 مليار متر مكعب، وبلغت نسبة ملء السدود حوالي 65.8 في المائة، مقابل ما يقارب 31 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وتكشف هذه الأرقام عن تحسن ملموس في وضعية الموارد المائية بالمملكة، غير أن قراءتها لا ينبغي أن تتوقف عند المقارنة السنوية؛ لأن الأمن المائي لا يقاس فقط بما تختزنه السدود، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على تدبير هذا المخزون، وتوجيهه إلى المناطق والقطاعات الأكثر حاجة إليه.
تانسيفت.. تحسن في المخزون وأسئلة حول التدبير
سجل على المستوى الجهوي حوض تانسيفت نسبة ملء بلغت 74.15 في المائة، وفق المعطيات المنشورة بتاريخ 3 نونبر 2026، بمخزون يناهز 150.64 مليون متر مكعب، مقابل 41.55 في المائة خلال اليوم نفسه من السنة الماضية.
ويكتسب هذا التحسن أهمية خاصة بالنسبة إلى مراكش ومجالها القروي، بالنظر إلى ما عرفته المنطقة من ضغط متزايد على الموارد المائية، سواء لتلبية حاجيات السكان أو لمواكبة الأنشطة الفلاحية والسياحية والعمرانية.
لكن ارتفاع المخزون يطرح أسئلة تتجاوز الأرقام: كيف ستُدبّر هذه الموارد خلال الأشهر المقبلة؟ وما نصيب المناطق القروية والجماعات التي عانت من صعوبات التزود بالماء؟ وهل توجد رؤية متكاملة توازن بين حاجيات المدينة ومتطلبات الفلاحة وحماية الفرشات المائية؟
مراكش ومياه آسفي.. رهان يتجاوز نقل المياه

ومن أبرز التحولات التي تعرفها الجهة مشروع نقل المياه المحلاة من محطة آسفي نحو مراكش الكبرى، عبر شبكة من القنوات تمتد على نحو 185 كيلومتراً، وثلاث محطات للضخ، وباستثمار معلن يبلغ 4.2 مليارات درهم.
ويمثل المشروع خطوة استراتيجية لتنويع مصادر التزود بالماء الصالح للشرب، والتخفيف من الضغط على الموارد التقليدية، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب المرتبط بالنمو الحضري والسياحي.
غير أن أهمية المشروع تفتح بدورها نقاشاً حول وضعه التشغيلي الفعلي، وحجم المياه التي تصل إلى مراكش في الوقت الراهن، ومدى انعكاس ذلك على انتظام التزويد بالماء وجودة الخدمة.
كما أن تعدد الأرقام المنشورة بشأن الطاقة السنوية المرتقبة للمشروع، بين 80 و100 مليون متر مكعب، يجعل من الضروري الحصول على توضيح رسمي بشأن القدرة المعتمدة فعلياً، وحجم الإنتاج والتحويل والتوزيع.
من وفرة المخزون إلى عدالة التوزيع
إن التحدي المائي لا ينحصر في بناء السدود ومحطات التحلية ومد القنوات، على أهمية هذه الأوراش، بل يشمل أيضاً ترشيد الاستهلاك، والحد من ضياع المياه في شبكات التوزيع، ومراقبة استغلال المياه الجوفية، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، خصوصاً في سقي المساحات الخضراء والمرافق التي لا تحتاج إلى مياه الشرب.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الاهتمام بالمجال القروي، حيث لا تزال بعض الجماعات والدواوير تواجه تحديات التزود المنتظم بالماء، بما يجعل الأمن المائي قضية اجتماعية ومجالية، لا مجرد معادلة تقنية مرتبطة بحجم الحقينات.
كما أن القطاع الفلاحي، باعتباره من أكبر مستعملي الموارد المائية، يحتاج إلى مواكبة حقيقية نحو أساليب إنتاج أكثر اقتصاداً للماء، مع مراعاة التوازن بين متطلبات الإنتاج واستدامة الموارد.
الماء ليس خبراً موسمياً
إن تحسن وضعية السدود فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتراخي أو الاعتقاد بأن أزمة الماء أصبحت من الماضي. فالتقلبات المناخية وتوالي سنوات الجفاف يفرضان الانتقال من تدبير ظرفي للأزمة إلى حكامة مائية بعيدة المدى.
وبالنسبة إلى جهة مراكش – آسفي، فإن الرهان يتطلب تنسيقاً بين وكالة الحوض المائي لتانسيفت، والشركة الجهوية متعددة الخدمات، والسلطات الترابية والجماعات والقطاعات الفلاحية والبيئية، من أجل تحويل التحسن المسجل إلى مكاسب ملموسة في حياة المواطنين.
فحين تمتلئ السدود، لا يكفي أن نسأل كم بلغ مخزونها؛ بل ينبغي أن نسأل: من يستفيد من هذه المياه؟ وكيف توزع؟ وإلى متى يمكن الحفاظ عليها؟
ذلك أن الأمن المائي لا يتحقق بمجرد وفرة الماء، بل حين يصبح الوصول إليه حقاً مضموناً، وتدبيره مسؤولية مشتركة، واستدامته خياراً تنموياً لا يقبل التأجيل.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


