من 35 إلى 57 دقيقة عمل.. لتر الغازوال يقتطع حصة أكبر من أجرة المغاربة
لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات بالمغرب مجرد أرقام تتغير في لوحات محطات الوقود، بل أصبح بالإمكان قياس أثره على القدرة الشرائية بطريقة أكثر مباشرة: كم دقيقة يحتاجها الأجير الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر ليشتري لترا واحدا من الغازوال؟ تكشف المقارنة أن هذه المدة انتقلت من نحو 35 دقيقة قبل تعديل أسعار مطلع مارس 2026 إلى ما يقارب 57 دقيقة في بعض محطات الوقود مع بداية نونبر.
ويستند هذا المؤشر إلى مقارنة سعر الغازوال بالحد الأدنى القانوني للأجر في النشاطات غير الفلاحية، المحدد في 17.92 درهما للساعة ابتداء من فاتح يناير 2026، بموجب المرسوم رقم 2.25.983، بعد زيادة بنسبة 5 في المائة عن المستوى السابق البالغ 17.10 درهما. وقبل تعديل أسعار المحروقات الذي دخل حيز التطبيق مطلع مارس، كان سعر لتر الغازوال يقارب 10.57 دراهم، وفق معطيات مهنية نقلتها الصحافة آنذاك. وبقسمة ثمن اللتر على الأجر الساعي، نجد أن اقتناءه كان يتطلب ما يعادل 35.4 دقيقة من العمل.
لكن الصورة تغيرت مع توالي مراجعات الأسعار. ففي 16 أبريل 2026، وصل سعر لتر الغازوال إلى نحو 15.50 درهما في عدد من المحطات، قبل أن يتراجع إلى حدود 14.50 درهما مع بداية ماي، وفق بيانات الرصد المنشورة. ثم عاد إلى الارتفاع خلال الأشهر التالية، ليسجل في منتصف أكتوبر ما بين 15.90 و15.98 درهما في محطات بالدار البيضاء.
ومع بداية نونبر، دخلت زيادة جديدة حيز التنفيذ، إذ تحدثت تقارير مهنية عن ارتفاع تراوح بين 50 سنتيما ودرهم واحد للتر بحسب محطات التوزيع. وتراوحت الأسعار المتداولة في عدد من المحطات بين 16.40 و17 درهما، مع تسجيل تفاوتات بين الشركات والمناطق. وباحتساب هذه المستويات وفق الأجر الساعي نفسه، أصبح شراء اللتر يتطلب ما بين 54.9 و56.9 دقيقة من العمل، أي ما يقارب 57 دقيقة عند بلوغ السعر 17 درهما.

ولا يقتصر أثر هذا التغير على ثمن اللتر منفردا. فعلى أساس شهر عمل يناهز 191 ساعة، يصل الأجر الإجمالي المحسوب بالحد الأدنى إلى نحو 3422.72 درهما. وكان هذا المبلغ يعادل، وفق سعر 10.57 دراهم، حوالي 324 لترا من الغازوال. أما بالأسعار المتداولة مطلع نونبر، فلا يشتري إلا ما بين 201 و209 لترات تقريبا. وبذلك تتراجع كمية الغازوال التي يمكن اقتناؤها بالأجر الشهري نفسه بنحو 36 إلى 38 في المائة، قبل احتساب الاقتطاعات والنفقات الأخرى التي يتحملها الأجير.
وفي النشاطات الفلاحية، حدد المرسوم نفسه الحد الأدنى للأجر اليومي في 97.44 درهما، ابتداء من فاتح أبريل 2026. وبالأسعار المسجلة مع بداية نونبر، يعادل هذا الأجر اليومي نحو 5.7 إلى 5.9 لترات من الغازوال. وينبغي الانتباه هنا إلى أن هذا الأجر دخل حيز التنفيذ في أبريل، ولذلك لا يصح إسقاطه باعتباره أجرا كان معمولا به قبل مارس عند إجراء المقارنة التاريخية.
ويكتسب هذا المؤشر أهمية إضافية في ظل ارتفاع فاتورة الطاقة المستوردة. فقد نقلت منصة الطاقة، استنادا إلى بيانات مكتب الصرف، أن فاتورة واردات الطاقة بالمغرب بلغت 96.37 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 72.66 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة بلغت 32.6 في المائة. كما ارتفعت قيمة واردات الديزل وزيت الوقود بنسبة 44.9 في المائة لتصل إلى 50.71 مليار درهم. وهي معطيات تعكس حجم الضغط الخارجي على فاتورة الطاقة، وإن كانت لا تكفي وحدها لتفسير كل مراجعة للأسعار المحلية.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع دقائق العمل باعتبارها مقياسا شاملا للقدرة الشرائية. فالحساب يعتمد الأجر الإجمالي لا الصافي، ويركز على الفئة التي تتقاضى الحد الأدنى القانوني، ولا يمثل بالضرورة وضعية جميع الأجراء. كما أن أسعار المحروقات ليست موحدة وطنيا، بل تختلف حسب شركات التوزيع والمحطات والمناطق، وهو ما يفرض التعامل مع الأرقام باعتبارها نطاقات تقريبية لا تعريفة رسمية واحدة. ولا يقيس هذا المؤشر أيضا مدى انتقال زيادة كلفة الوقود إلى أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات، وهي مسألة تحتاج إلى معطيات مستقلة من المندوبية السامية للتخطيط والقطاعات المعنية.
وتكمن قيمة هذا المقياس في أنه يحول تغير الأسعار من نسبة مئوية مجردة إلى وقت عمل ملموس. فحين ينتقل اللتر من كلفة تعادل 35 دقيقة إلى ما يقارب ساعة من العمل، يصبح أثر الغلاء أكثر وضوحا، خصوصا لدى الفئات ذات الدخل المحدود. ويمكن تطوير المؤشر إلى سلسلة دورية ترصد العلاقة بين الحد الأدنى للأجور وأسعار الوقود والمواد الأساسية، وفق منهجية حساب معلنة ومصادر قابلة للتحقق.


