شعار جريدة البوصلة

هل نملك بطولة تُنتج النجوم أم مجرد محطة عبور نحو أوروبا؟

botola

في كل موسم كروي، يتكرر المشهد ذاته: لاعب مغربي يلمع في “البطولة برو”، تتزاحم عليه العروض، ثم يرحل بعد موسم أو موسمين، تاركا خلفه جمهورا افتخر به قبل أن يودّعه على عجل. وفي كل مرة، يُطرح السؤال نفسه بصيغ مختلفة: هل نحن أمام بطولة تُنتج نجوما فعلا، أم أننا لا نملك سوى محطة عبور مؤقتة، وظيفتها الوحيدة أن تُعِدّ اللاعب المغربي ليكتمل نضجه في ملاعب أوروبا؟

الإجابة، مهما حاولنا تجميلها بلغة الإنجازات، أقرب إلى الاحتمال الثاني. فالمغرب ينجح، بامتياز، في اكتشاف المواهب وصقلها في مراحلها الأولى، لكنه يفشل، بالقدر نفسه، في الاحتفاظ بها أو في تحويل حضورها إلى قيمة مضافة داخل الدوري الوطني نفسه.

مصنع مواهب لا يُنكر

لا يمكن التنكر لحقيقة أن المغرب بنى، خلال العقدين الأخيرين، منظومة تكوين تُحسد عليها كثير من الدول الإفريقية والعربية. أكاديمية محمد السادس لكرة القدم وحدها قدّمت نموذجا يُدرَّس اليوم في اتحادات قارية أخرى: من بين اللاعبين الذين مروا تحت إشراف مؤطريها، أصبح الغالبية العظمى محترفين، وانتقل عدد معتبر منهم مباشرة إلى الأندية الأوروبية، ليجدوا أنفسهم لاحقا عمودا فقريا في المنتخب الوطني الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم وأعاد رسم موقع المغرب على خريطة الكرة العالمية.

هذا النجاح ليس مصادفة. إنه ثمرة استراتيجية هجينة اعتمدها الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم، تقوم على ركيزتين: تكوين محلي متين عبر الأكاديميات ومراكز التكوين بالأندية، وشبكة كشّافين تتابع أبناء الجالية المغربية في أوروبا منذ نعومة أظافرهم. المعادلة نجحت في رفع مستوى المنتخب الوطني بشكل غير مسبوق. لكن هل نجحت في رفع مستوى البطولة الوطنية ذاتها؟ هنا يبدأ الإشكال الحقيقي.

حين يتحول النجاح الفردي إلى نزيف جماعي

المفارقة أن قصة النجاح نفسها تحمل بذور الأزمة. فكل موهبة تُصقل محليا تتحول، بمجرد أن تلفت الأنظار، إلى سلعة معروضة على واجهة السوق الأوروبية أو حتى الخليجية والمصرية. لم يعد رحيل نجوم “البطولة برو” حالات معزولة، بل بات ظاهرة متصاعدة تطال أسماء بارزة عاما بعد عام، سواء نحو الدوريات الأوروبية الكبرى أو نحو أسواق صاعدة كالدوري المصري الذي بات يستقطب هدافي الموسم المغربي بإغراءات مالية وتسويقية يصعب على الأندية المحلية منافستها.

والنتيجة أن المنتخب الوطني، في آخر مشاركة له بكأس العالم، لم يكن يمثله من البطولة الوطنية سوى حارسين احتياطيين، بينما استفادت الأندية الأجنبية من حضور الغالبية الساحقة من اللاعبين الدوليين المغاربة. حين يُصرّح رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسه بالقلق من هذه الفجوة، فإن الأمر يتجاوز الانطباع الصحفي إلى تشخيص مؤسساتي رسمي لأزمة بنيوية.

بطولة تصرف ولا تستثمر في نفسها

الميزانية الإجمالية للبطولة الاحترافية بلغت نحو 965 مليون درهم، وهو رقم ليس هينا على المستوى الإفريقي. لكن السؤال الأهم ليس كم يُصرف، بل أين يذهب هذا المال وما الذي يبنيه على المدى الطويل. فحين تتراكم ديون عدد من أندية القسم الأول، وتتكاثر النزاعات المعروضة أمام اللجان القضائية الوطنية والدولية بما فيها الفيفا، يصبح من الصعب الحديث عن بطولة قادرة على منافسة نفسها اقتصاديا، لا فقط على منافسة اللاعب المحلي كي يبقى فيها.

وحين تتحول أجواء الملاعب، في أحيان كثيرة، إلى ساحة جدل حول التحكيم بدل أن تكون مسرحا لتطوير الأداء الفني، تفقد البطولة أحد أهم عناصر جاذبيتها: الثقة في المنافسة ذاتها. فاللاعب الشاب الذي يرى أمامه بطولة تعاني من عدم الاستقرار المالي والإداري، لن يتردد في اعتبار كل موسم يقضيه محليا مجرد “محطة انتظار” لا أكثر، لا وجهة يستحق البقاء فيها.

التسويق الغائب في معادلة الاحتفاظ بالنجوم

يُخطئ من يظن أن المشكلة تقنية بحتة، متعلقة فقط بجودة اللعب أو مستوى الأندية. فجزء كبير من الأزمة تسويقي وهيكلي بامتياز: بطولة لا تُسوَّق إعلاميا بالشكل الذي يليق بمستوى مواهبها، ولا تملك عائدات حقوق بث تنافس ما تقدمه دوريات أخرى أقل جودة تقنيا لكنها أكثر احترافا في التسويق، ستظل عاجزة عن منافسة الإغراءات المالية الخارجية، مهما بلغت جودة لاعبيها. وحين يتحول الحديث عن الانتقالات، كما يلاحظ متابعو الشأن الكروي المحلي، إلى شبكة معقدة من وكلاء اللاعبين والمدربين الذين يرسمون خريطة الأندية أكثر مما ترسمها المشاريع الرياضية نفسها، فإن ذلك مؤشر إضافي على أن البطولة تُدار، في جزء منها، بمنطق السمسرة أكثر من منطق البناء المؤسساتي طويل المدى.

هذا هو جوهر الإشكال الذي يتكرر في أكثر من قطاع مغربي: إنجاز حقيقي على مستوى التكوين والقاعدة، يقابله عجز في الحكامة والتسويق والاستثمار الذي يحوّل هذا الإنجاز إلى قيمة مستدامة محليا، بدل أن يتبخر لصالح جهات أخرى تجني ثماره جاهزة.

بين طموح 2030 وواقع اليوم

المفارقة الأكثر إيلاما أن المغرب يستعد لاستضافة كأس العالم 2030، وهي محطة كان يُفترض أن تكون فرصة لبناء بطولة وطنية قوية تليق بهذا الاستحقاق، لا فقط ملاعب حديثة وبنية تحتية مبهرة. فالبطولات الكبرى لا تُقاس فقط بجودة الملاعب التي تحتضنها، بل بقوة الدوري المحلي الذي يعكس صورة البلد الرياضية أمام العالم. واستضافة المونديال، مهما كانت رمزيتها كبيرة، لن تُخفي حقيقة أن الدوري الذي سيستقبل ضيوف العالم لا يزال يفقد أفضل نجومه قبل أن يكتمل نضجهم فيه.

هناك من يرى في هذا الرحيل ظاهرة صحية، تعكس قوة المدرسة المغربية وقدرتها على تصدير الكفاءات، تماما كما تفعل مدارس كروية عريقة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء. وهذا رأي له وجاهته: فالمنتخب الوطني، في نهاية المطاف، هو المستفيد الأكبر من احتكاك لاعبيه بأعلى مستويات المنافسة الأوروبية، والنتائج الأخيرة تشهد على ذلك. لكن الفارق بين “تصدير الكفاءات” و”نزيف المواهب” يكمن في توقيت الرحيل وشروطه: حين يغادر اللاعب في أوج نضجه بعد أن راكم مسيرة محلية كافية، فذلك تصدير طبيعي. أما حين يغادر البطولة قبل أن تتمكن من الاستفادة منه فعليا، فتلك خسارة صافية لا تعوّضها أي رمزية.

كلمة أخيرة

بين مصنع نجوم يُشهد له عالميا، وبطولة محلية تعجز عن الاحتفاظ بمنتوجها، يقف الكرة المغربية اليوم على خط رفيع. لكن حين يقتصر تمثيل الوطن في كأس العالم على حارسين احتياطيين من أصل بطولة كاملة، وحين تتحول الملاعب المحلية إلى محطة عبور سريعة أكثر منها مختبرا لصقل النجوم، يصعب الحديث عن توازن حقيقي بين الجانبين. فهل نملك، بصدق، الجرأة على أن نسأل: ماذا سيبقى من “البطولة برو” حين يحين موعد 2030، إن ظللنا نُصدّر مواهبنا قبل أن تُنضجها ملاعبنا؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *