حين تصبح كرة القدم لغة دولة
لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد فرجة أسبوعية تُختصر في نتيجة مباراة أو ترتيب في جدول، بل تحوّلت، خلال العقد الأخير، إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية بامتياز. من دهاليز “الكاف” في القاهرة إلى قاعات “فيفا” في زيوريخ، ومن مدرجات الدار البيضاء إلى ملاعب الدوحة، رسم المغرب لنفسه موقعا لم يكن يخطر ببال كثيرين قبل سنوات قليلة: بلد صغير المساحة، لكنه فاعل كبير في معادلة كرة القدم العالمية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نجحت الدبلوماسية الرياضية المغربية؟ بل: كيف نجحت، ومن صنعها، وما حدود هذا النجاح؟
الإجابة، لا تحتمل كثيرا من التردد: نعم، نجحت المملكة في تحويل الرياضة إلى قوة ناعمة حقيقية، وهذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية سديدة من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، نُفّذت بحرفية لافتة على يد رجل بعينه: فوزي لقجع.
من الخيبات إلى مجد 2030: قصة نضج لا قصة حظ
قد يظن البعض أن حكاية المغرب مع كرة القدم العالمية بدأت باستضافة مونديال 2030، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، وأكثر إيلاما أيضا. فالمملكة لم تخسر رهانها مرة واحدة، بل خمس مرات متتالية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود: في 1994 حين حلّت ثانية خلف الولايات المتحدة، ثم في 1998 حين نال ملفها 7 أصوات مقابل 12 لفرنسا، ثم في 2006 لصالح ألمانيا، ثم في 2010 حين نال 10 أصوات مقابل 14 لجنوب أفريقيا، وأخيرا في 2026 حين خسر الملف المغربي أمام الترشيح الأمريكي المشترك مع كندا والمكسيك. خمس محاولات، وخمس خيبات، كانت كافية في أي بلد آخر لتُطوى صفحة الحلم إلى الأبد.
لكن ما ميّز التجربة المغربية هو أن كل خيبة لم تكن نهاية، بل كانت درسا يُعاد بناء الاستراتيجية على أساسه. وحين جاءت خسارة 2026، لم يكن القرار بالتسليم، بل بالعودة من جديد، هذه المرة بتوجيه ملكي مباشر. فقد أكد فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن قرار العودة إلى الترشح جاء بتوجيه من الملك محمد السادس، رغم خسارة المغرب المنافسة على استضافة مونديال 2026. بل إن جلالته أسند لاحقا للقجع نفسه رئاسة لجنة الترشيح، ليكون بذلك، بحسب متابعين لتاريخ هذه الملفات، خامس شخصية تترأس لجنة ترشيح المملكة المغربية لتنظيم كأس العالم بعد أربع تجارب سابقة لم يُكتب لها النجاح. هذا التفصيل، الذي قد يبدو هامشيا لغير المتابع، هو في الحقيقة مفتاح فهم الظاهرة برمّتها: الإصرار السياسي العلوي هو من رفض القبول بالخيبة الخامسة كخاتمة، والكفاءة الإدارية هي من حوّلت هذا الإصرار إلى نتيجة على الأرض.
والنتيجة معروفة اليوم: مونديال 2030 سيُقام على الأراضي المغربية بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لينهي بذلك المغرب انتظارا طويلا من محاولات غير مثمرة استمرت لنحو ثلاثة عقود، في حدث تاريخي غير مسبوق لإفريقيا والعالم العربي معا. وهذا الفوز، بحسب متابعين، توّج الدبلوماسية الرياضية الناجحة للمملكة بعد سنوات من العمل الدؤوب على أكثر من جبهة. وهنا بالضبط تكمن قيمة الدرس: النجاح لم يأتِ من أول محاولة، بل من قدرة الدولة على تحويل سلسلة من الإخفاقات إلى مراكمة خبرة ونضج مؤسسي، حتى نضجت اللحظة المناسبة لقطف الثمرة.
فوزي لقجع: من مكتب الميزانية إلى قاعة مجلس فيفا
لا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون التوقف عند الرجل الذي أُنيطت به مهمة تحويله من طموح إلى واقع. فوزي لقجع ليس مجرد رئيس اتحاد كروي محلي، بل صار، خلال سنوات قليلة، أحد أكثر المسؤولين الرياضيين الأفارقة تأثيرا في هياكل القرار الدولية. فقد انتُخب في 12 مارس 2021 عضوا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ممثلا عن القارة الأفريقية، ليصبح بذلك أول مغربي يشغل هذا المنصب الرفيع في تاريخ المغرب. وقبل ذلك بأشهر، جدّد الاتحاد الأفريقي انتخابه رئيسا للجنة المالية للكاف، كما صار نائبا لرئيس لجنة الأندية المختصة بتنظيم مسابقات الأندية.
هذا التراكم، بحسب متابعين لمساره، جعل منه شخصية تجمع بين رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والعضوية في مجلس فيفا، والنيابة الأولى لرئاسة الكاف، ومنصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وهو تراكم نادر يفسّر كيف صار صوت المغرب مسموعا في القرارات الكبرى التي تخص القارة الأفريقية وكرة القدم العالمية على حد سواء. رجل يجمع بين ضبط الأرقام في مكتب الميزانية ودهاء التفاوض في أروقة الاتحادات الدولية، وهذا المزيج تحديدا هو ما جعل النموذج المغربي مختلفا عن كثير من التجارب العربية والإفريقية التي اكتفت بالحماس الشعبي دون أن تترجمه إلى نفوذ مؤسساتي.
الرياضة كقوة ناعمة: أبعد من كأس العالم
الرهان لم يكن يوما محصورا في استضافة بطولة واحدة، بقدر ما كان بناء موقع دائم للمغرب داخل منظومة صناعة القرار الرياضي العالمي. فالعضوية في مجلس فيفا تعني حضورا في صياغة السياسات الكروية الكبرى، ورئاسة اللجنة المالية للكاف تعني تأثيرا مباشرا في توزيع الموارد على القارة بأكملها. وهذا النفوذ انعكس بشكل غير مباشر لكنه ملموس، على صورة المغرب الدبلوماسية العامة: بلد يُستضاف فيه حدث عالمي كبير، يعني استثمارات في البنية التحتية، وحركة سياحية، وتغطية إعلامية دولية واسعة، وموقعا تفاوضيا أقوى في ملفات أخرى غير رياضية بالمرة.
وهذا بالضبط ما يجعل بعض المراقبين يصفون فوزي لقجع بأنه لا يدير الملف الرياضي فحسب، بل يستخدم الرياضة بوصفها قوة ناعمة، وربط كرة القدم بصورة المغرب في إفريقيا والعالم، إذ لم تكن الرياضة عنده غاية في ذاتها بقدر ما كانت أداة ضمن استراتيجية أوسع. وهو تحليل يستحق التوقف عنده: فحين تتحول كرة القدم إلى رافعة لصورة الدولة، يصبح كل انتصار في الملعب انتصارا صغيرا في معركة أكبر، هي معركة الحضور والاعتراف الدوليين.
الرأي الآخر: أسئلة مشروعة لا ينبغي إسكاتها
الإنصاف الفكري يقتضي ألا نمرّ على هذا النجاح دون الإصغاء لمن يتحفظون عليه. فهناك من يرى أن تركّز هذا الكم الهائل من المواقع في يد شخص واحد -رئاسة الجامعة الملكية، وعضوية مجلس فيفا، والنيابة الأولى لرئاسة الكاف، إلى جانب حقيبة وزارية حساسة- يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بتضارب الأدوار وتركّز السلطة، بصرف النظر عن كفاءة الشخص المعني. كما أن بعض الأصوات تتساءل عن حدود الفصل بين الإنجاز المؤسساتي والطموح السياسي الشخصي، خصوصا في ظل تكهنات متكررة حول أدوار سياسية مستقبلية محتملة لصاحب هذا الملف. وهناك أيضا من يذكّر بأن النجاح الدبلوماسي في الملاعب لا ينبغي أن يُنسينا أسئلة العدالة المجالية في توزيع البنية التحتية الرياضية داخل المغرب نفسه، أو واقع كرة القدم الشعبية والأندية المحلية التي لا تزال تعاني من مشاكل تدبيرية وتمويلية بعيدا عن أضواء المونديال.
هذه التحفظات مشروعة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها انتقاصا من الإنجاز، بل بوصفها تذكيرا بأن النجاح على المستوى الدولي يجب أن يقترن بمساءلة مستمرة على المستوى الداخلي، حتى لا يتحول البريق الخارجي إلى غطاء يُخفي اختلالات لم تُحل بعد.
حين يجتمع القرار السياسي الرشيد في القمة مع الكفاءة التنفيذية في الميدان، تصبح المعجزات ممكنة، وهذا بالضبط ما حدث حين تحوّلت خيبة 2026 إلى مجد 2030 بتوجيه ملكي وتنفيذ محكم. لكن يبقى السؤال معلقا فوق كل هذا النجاح الباهر: هل نملك، كمغاربة، القدرة على أن نحوّل هذا النفوذ الرياضي الدولي المكتسب إلى قيمة مضافة ملموسة في حياة المواطن البسيط، أم أن الأضواء الكاشفة على الملاعب العالمية ستبقى أبعد ما تكون عن الملاعب الترابية في أحيائنا الشعبية؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
