شعار جريدة البوصلة

اللغة الدارجة في الأدب: تمرد إبداعي أم تهديد للفصحى؟

اللغة

في السنوات الأخيرة، بات المشهد الثقافي العربي عموماً، والمغربي على وجه الخصوص، يشهد صعوداً لافتاً لنصوص روائية وشعرية تكتب كلياً أو جزئياً بالدارجة، في مشهد أثار جدلاً حاداً بين من يعتبره تجديداً إبداعياً مشروعاً، ومن يراه انزلاقاً خطيراً يهدد مكانة اللغة العربية الفصحى بوصفها حاملة الهوية والذاكرة الجماعية. بين هذين الموقفين المتقابلين، تُطرح مسألة أعمق من مجرد الخيار الجمالي: ما وظيفة اللغة أصلاً؟ وهل هي غاية في ذاتها أم وسيلة لتحقيق غاية أسمى هي التواصل؟

اللغة قبل كل شيء: وسيلة لا غاية

حين نُعيد اللغة إلى وظيفتها الأولى، نجد أنها نشأت لتكون جسراً بين الإنسان وأخيه الإنسان، أداة لنقل الفكرة والعاطفة والمعرفة. اللغة التي لا يفهمها القارئ، مهما بلغت بلاغتها ورصانة تراكيبها، تُخفق في أداء وظيفتها الجوهرية. وهنا يكمن جوهر الدفاع عن الكتابة الأدبية بلغة عربية بسيطة واضحة، يقرأها الجميع ويفهمها القارئ العادي دون الحاجة إلى معجم أو مرجع.

فحين ننظر إلى تجربة القراءة في العالم العربي، نجد أن كثيراً من الأعمال الأدبية الكبرى ظلت حبيسة نخبة ضيقة من القراء المتخصصين، بينما ابتعد جمهور واسع عن الكتاب لأسباب من بينها الشعور بأن اللغة الأدبية “غريبة” أو “متعالية” عن واقعه اليومي. والحال أن الأدب الحقيقي، تاريخياً، لم يكن أبداً حكراً على النخبة؛ فالمتنبي وأبو العلاء المعري، رغم فخامة لغتهما، كانا يخاطبان جمهوراً واسعاً في زمانهما بلغة كانت هي اللغة الحية المتداولة آنذاك، لا لغة معزولة عن الاستعمال اليومي.

الدارجة: عرَض لا سبب

من الإنصاف الفكري أن نعترف بأن صعود الكتابة بالدارجة ليس سبباً في أزمة الفصحى، بل هو عرَض من أعراضها. حين يشعر الكاتب أن الفصحى، كما تُدرَّس وتُمارَس في الإعلام الرسمي والخطاب الأدبي التقليدي، أصبحت لغة جامدة مثقلة بالتكلف، يلجأ إلى الدارجة بحثاً عن الصدق التعبيري والقرب من نبض الشارع. الدارجة، في هذا السياق، ليست عدواً للفصحى، بل صرخة احتجاج على فصحى تخلت عن مرونتها وابتعدت عن الحياة.

لكن هذا لا يعني أن الحل يكمن في استبدال لغة بأخرى، بل في إعادة الاعتبار لفصحى بسيطة، حية، قريبة، قادرة على التطور دون أن تفقد جوهرها. فالمطلوب ليس التنازل عن العربية الفصحى، بل تحريرها من الأثقال الاصطناعية التي كبّلتها عبر عقود من الكتابة المتكلفة التي جعلت من التعقيد اللغوي معياراً للجودة الأدبية.

في الدفاع عن حق الفصحى المبسطة

حين يكتب أديب بلغة عربية سليمة لكنها سلسة، بجمل قصيرة واضحة ومفردات متداولة، فهو لا يُسيء إلى اللغة، بل يمارس أرقى أشكال الاحترام لها: احترام القارئ الذي يستحق أن يفهم دون عناء، واحترام اللغة ذاتها التي تستمد قوتها من قدرتها على الانتشار لا من انغلاقها على النخبة. الكاتب الكبير هو من يستطيع أن يقول الفكرة العميقة بلغة بسيطة، لا من يُخفي فقر الفكرة وراء تعقيد لغوي مصطنع.

وهذا المنطق ينسحب على الصحافة والكتابة الرأي بالقدر نفسه الذي ينسحب على الأدب. فالمقالة التي لا يفهمها إلا المتخصصون تُخفق في أداء دورها التنويري، بينما المقالة التي تصل إلى أوسع شريحة من القراء، دون التضحية بسلامة اللغة ودقتها، هي التي تُحدث الأثر الحقيقي في الوعي الجمعي.

الرد على المخاوف المشروعة

في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاوف التي يطرحها المدافعون عن الفصحى، وهي مخاوف تستحق أن تُؤخذ بجدية لا أن تُرمى جانباً. فاللغة الفصحى ليست مجرد أداة تواصل عابرة، بل هي الرابط الذي يجمع أكثر من أربعمئة مليون ناطق بالعربية عبر جغرافيا شاسعة ولهجات متباينة، وهي حاملة تراث فكري وديني وأدبي يمتد لأكثر من ألف وأربعمئة عام. التخلي الكامل عنها لصالح لهجات محلية متعددة قد يُفضي، على المدى البعيد، إلى تفتيت الوحدة اللغوية العربية إلى جزر معزولة لا يفهم بعضها بعضاً، وهو ما يُضعف لا محالة إمكانية التواصل الثقافي والفكري بين الأقطار العربية.

كما أن الدارجة، رغم غناها التعبيري وقدرتها على نقل تفاصيل الحياة اليومية بدقة قد تعجز عنها الفصحى أحياناً، تبقى لغة شفوية بطبيعتها، متغيرة من منطقة إلى أخرى، تفتقر إلى قواعد نحوية وصرفية موحدة تسمح بتوثيقها وتدريسها والاعتماد عليها كأداة معرفية عابرة للأجيال. وهذا فارق جوهري لا يمكن القفز عليه حين نتحدث عن أدب يراد له أن يخلد ويُقرأ خارج سياقه الزمني والمكاني الضيق.

نحو توازن لا قطيعة

لعل الموقف الأكثر نضجاً ليس في الانحياز الحصري لأحد الطرفين، بل في السعي نحو فصحى معاصرة، بسيطة، قريبة من الناس، قادرة على استيعاب نبض الدارجة ومفرداتها الحية حين تخدم النص، دون أن تفرّط في هويتها الجامعة. فالكتابة الأدبية الناجحة ليست تلك التي تتنازل عن اللغة، بل تلك التي تصالح بين رصانة الفصحى وحيوية اللسان الشعبي، فتُنتج نصاً يقرأه المثقف والعامي معاً، دون أن يشعر أحدهما بالغربة عنه.

كلمة أخيرة

حين تصبح اللغة حاجزاً بين الكاتب وقارئه، فمن يخسر أكثر: اللغة التي تتعالى على أهلها، أم الأدب الذي يفقد جمهوره بحثاً عن نقاء لغوي لا يقرأه أحد؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *