شعار جريدة البوصلة

الفن التشكيلي بالمغرب.. مسار من التحديات إلى الاعتراف

الفن

رغم عمره القصير نسبيًا الذي لا يتجاوز قرنًا من الزمن، استطاع الفن التشكيلي المغربي أن يفرض حضوره في المزادات العالمية، وأن يحول جدران الأحياء الشعبية إلى فضاءات للتعبير، وأن يدفع الدولة إلى إعادة النظر في خريطتها المتحفية بأكملها. لكن الطريق نحو هذا الحضور لم يكن مفروشًا بالورود، بل صنعته أجيال من الفنانين خاضوا معارك يومية مع الفقر، والإهمال المؤسساتي، وغياب فضاءات العرض.

بدايات صعبة.. والفن كملاذ

كثير من قصص الفنانين التشكيليين المغاربة تبدأ من نقطة ألم لا من حلم مرسوم سلفًا. فقدان الأب في ظروف مأساوية، وهم لا يزالون على مقاعد الباكالوريا، كان بالنسبة لبعضهم نقطة تحول حقيقية دفعتهم من الرسم الطفولي البريء إلى اقتحام عالم الصباغة بجدية. لم يكن اختيار الفن، في كثير من الحالات، قرارًا واعيًا بقدر ما كان استجابة فطرية لفراغ عاطفي ومادي فرضته الحياة.

الفقر كان الرفيق الأول لهذه البدايات. أدوات الرسم والألوان، البسيطة في ظاهرها، كانت تشكل عبئًا حقيقيًا على أسر متعددة الأفراد. الجوائز المدرسية، والامتيازات الصغيرة التي كان يحصل عليها التلاميذ الموهوبون كعلب الألوان، كانت بمثابة “كنز” يعوض هذا النقص. وحين تغيب حتى هذه الإمكانيات، يتحول الشعر – الذي لا يحتاج سوى ورقة وقلم – إلى بديل فني بامتياز.

فن الشارع.. من “الحرام” إلى القبول

قبل أن تتقبل الشوارع المغربية فن الغرافيتي، كان مجرد الوقوف أمام جدار بعلبة رذاذ يثير حفيظة المارة، الذين كانوا يعتبرون الأمر خروجًا عن المألوف بل و”حرامًا” في بعض الأحيان. المشكل الحقيقي، بحسب فنانين مارسوا هذا النوع من التعبير، لم يكن مع رجال الأمن الذين كانوا غالبًا متسامحين، بل مع “الشارع” نفسه بسكانه وعاداته.

بالتدريج، تحول هذا الرفض إلى قبول، بل إلى إعجاب، ليصبح فن الشارع اليوم أحد أهم أشكال التعبير الفني المعاصر في المدن المغربية، امتدادًا لتجربة عالمية وُلدت في الغرب قبل أن تجد طريقها إلى الأزقة المغربية، والتي كانت تعرف أصلاً أشكالًا شعبية من التعبير الجداري كالكتابة على الجدران وطاولات المدارس.

فنان يعيش من فنه.. معادلة صعبة

يبقى عدد الفنانين التشكيليين القادرين فعليًا على العيش من مداخيل أعمالهم في المغرب محدودًا جدًا، ويكاد يُحصى على رؤوس الأصابع. الفنان في الغالب مطالب إما بإيجاد راعٍ يؤمن بموهبته، أو بتأمين مصدر دخل موازٍ يمكّنه من الاستمرار في اقتناء مستلزمات عمله المكلفة، من أصباغ وأقمشة وأدوات.

وفي هذا السياق، يُرفض بشكل قاطع ذلك الطرح الرومانسي القائل بأن الفقر والألم شرطان ضروريان للإبداع. فالفقر، كما يؤكد فنانون مروا بتجربته، لا ينتج في الواقع سوى المرض والموت والعاهات، ولم يكن يومًا مادة خصبة للإبداع الحقيقي.

الذكاء الاصطناعي على الأبواب

يفرض صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على “توليد” لوحات بمجرد طلب نصي، سؤالًا جوهريًا جديدًا أمام الفنانين التشكيليين المغاربة: كيف يمكن التوفيق بين الانفتاح على هذه الأدوات والحفاظ على الأصالة والهوية الفنية المحلية؟ بعض الفنانين يفضلون التمسك بما يصفونه بـ”التخلف التقليدي”، رافضين التخلي عن بعدهم الإنساني والجسدي في العمل الفني لصالح منظومة رقمية مبرمجة من جهات لها خلفياتها وأجنداتها الخاصة.

التزوير.. جرح مفتوح في السوق الفنية

من أكبر التحديات التي يواجهها القطاع اليوم غياب شبه تام للخبرة القانونية والفنية المتخصصة في توثيق الأعمال وتحقيق أصالتها. هذا الفراغ فتح الباب أمام سوق سوداء للتزوير، حيث تُباع لوحات مقلدة توقيعات فنانين معروفين، وسط غياب خبراء مؤهلين للفصل في القضايا المرفوعة أمام القضاء بهذا الخصوص.

لمواجهة هذه الظاهرة، يرى مهنيون في القطاع ضرورة تعميم شهادات التوثيق (Certificat d’authenticité) عند اقتناء الأعمال، وتكوين نقاد فن متخصصين، وإنجاز “كاتالوجات محققة” (Catalogue raisonné) لكل فنان مغربي، إلى جانب إحداث شعب جامعية متخصصة في الدراسات التشكيلية تواكب هذا الورش.

الفن المغربي في المزادات العالمية

على الرغم من كل هذه الإكراهات، تشهد الأعمال الفنية المغربية إقبالًا متزايدًا في المزادات الدولية، حيث بلغت أعمال لفنانين مغاربة كبار ملايين الدراهم في مزادات أوروبية. كما يُلاحظ إقبال متنامٍ من هواة جمع الأعمال الفنية القادمين من دول الخليج على اقتناء لوحات مغربية، في مؤشر إيجابي على تعزيز مكانة الفن التشكيلي المغربي على الساحة الدولية.

كلمة أخيرة

في وقت أصبحت فيه الصناعات الإبداعية – من سينما وأعمال فنية وأدبية – تفوق في مداخيلها صناعات ثقيلة كصناعة السلاح في عدد من الدول المتقدمة، يبدو أن الرهان على الثقافة والفن كرافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية لم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية تستدعي إعادة نظر جذرية من صناع القرار في قيمة الفنان التشكيلي المغربي واعتباره ثروة وطنية بامتياز.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *