بين يدي صانع يعجن الطين بقدميه، وآخر ينقش القطع الصغيرة بدقة متناهية تكاد تُضاهي دقة الجراح، يختصر الزليج المغربي رحلة حضارية تمتد لقرابة ألف عام. فهذا الفن التقليدي لم يكتف بتزيين جدران المساجد والقصور عبر العصور، بل تحوّل، من حيث لا يقصد صنّاعه، إلى شاهد حيّ على تعاقب الدول وتقلّبات الأزمات، وعلى قدرة الصانع المغربي على الصمود رغم المنافسة الأجنبية والانتقالات الجغرافية القسرية. غير أن هذا الفن العريق يجد نفسه اليوم أمام تحدٍّ من نوع مختلف، أشد خطورة ربما من كل ما سبقه: غياب الشباب عن ورشاته.
من الطين إلى التحفة الفنية
تبدأ رحلة الزليج من مادة أولية لا توجد إلا في منطقة فاس: طينة خاصة تُستخرج من عمق يقارب عشرين مترًا تحت الأرض، وتنقسم إلى نوعين، الأملس والأحرش، يمزج الحرفي بينهما بنسب محددة بدقة متوارثة لضمان تماسك القطعة ومنع تشققها لاحقًا. وبعد الاستخراج، تخضع الكتل الطينية لمراحل دقيقة من النقع والعجن والتقطيع، قبل أن تُترك لتجف تحت الشمس، ثم تدخل الفرن التقليدي على حرارة تقارب 980 درجة مئوية، في عملية تستغرق ساعات طويلة يشرف عليها “الفرّان” بخبرة توارثها عن أسلافه.
وبعد الطبخ الأول، تنتقل القطع إلى مرحلة الطلاء بالألوان، حيث يُغطس وجه كل قطعة بسرعة خاطفة في مزيج الطلاء، قبل أن تعاد إلى الفرن مرة ثانية لتثبيت اللون. وإذا كانت الألوان التقليدية القديمة محدودة في الأزرق والأبيض والأخضر، فإن عدد الألوان المتاحة اليوم تجاوز العشرين لونًا، بفضل تراكم الخبرة وتطور تقنيات الصباغة عبر الأجيال.
حين يتحول النقش إلى فن تشكيلي
تُعد مرحلة “التكسير” – أي تقطيع القطع المطلية إلى الأشكال الهندسية الدقيقة المطلوبة – من أكثر المراحل تطلبًا للمهارة، إذ يحتاج الصانع لسنوات طويلة من الممارسة المتواصلة قبل أن يتقن فن النقش والتكسير بالدقة المطلوبة. أما المرحلة الأخيرة، مرحلة “التركيب”، فهي التي تكشف عن المعلم الزليجي بوصفه فنانًا تشكيليًا بامتياز: يجمّع مئات القطع المتفاوتة في الشكل واللون والحجم ليشكّل منها لوحة فسيفسائية متكاملة، تحمل كل زخرفة فيها اسمًا خاصًا بها – كالخاتم، والضفيرة، والمخمس، والقرنفل – في معجم بصري غني توارثه الحرفيون جيلاً بعد جيل. ويسجّل التاريخ في هذا الباب إنجازًا استثنائيًا حين جمع المعلم الكبير مولاي حفيظ العلوي قرابة 400 قطعة أو “فرمة” مختلفة في قائمة موحدة لأول مرة، بمناسبة بناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.
جذور تمتد إلى الدولة الإدريسية
يعود تاريخ الزليج المغربي، بحسب الآثار المتوفرة، إلى فترة الدولة الإدريسية، حيث ظهرت أولى نماذجه البسيطة في معالم كمسجد القرويين. غير أن هذا الفن سيعرف تطورًا نسبيًا خلال العهد المرابطي بفعل التبادل الحضاري بين المغرب والأندلس، قبل أن يشهد نقلة نوعية حقيقية في العهد المريني، الذي أدخل تقنيات وألوانًا جديدة كليًا – أبرزها “الأزرق الفاسي” الشهير – وأنتج تحفًا خالدة لا تزال شاهدة حتى اليوم، كتلك الموجودة في مدرسة العطارين بفاس.
وتُرجع الرواية الشعبية المتداولة بين الصناع تطور الزليج المريني إلى استقدام معلمين أندلسيين مهرة، استقروا في حي بفاس لا يزال يحمل اسم “طالعة الأندلس” حتى اليوم، تخليدًا لأصولهم. ومع مجيء الدولة العلوية، وخاصة في عهد المولى إسماعيل، عاش القطاع ازدهارًا جديدًا، تطورت خلاله الزخارف والألوان بشكل غير مسبوق، متجاوزًا في تنوعه ما كان معروفًا في الأندلس نفسها.
هزات الاستعمار وأزمة “الحناطة”
لم يكن مسار الزليج التقليدي خطًا صاعدًا على الدوام. فمع انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 وتوقيع معاهدة الباب المفتوح، انفتح السوق المغربي على منتجات أجنبية منافسة أضعفت الطلب على الصناعة التقليدية. وتعمقت الأزمة أكثر مع دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني، حين عملت السلطات الاستعمارية على تفكيك نظام “الحناطة” – المؤسسة التقليدية التي كانت تنظم الحرف وتربط الصانع بالمخزن عبر “المحتسب” – وهو ما أدى إلى فوضى عميقة في القطاع وتراجع في جودة المنتوجات، ودفع بعض الحرفيين إلى هجر المهنة كليًا، أو إلى خفض جودة موادهم الأولية في محاولة يائسة لمجاراة أثمنة المنتجات الأجنبية الرخيصة.
من الملك الراحل إلى النهضة الحديثة
بعد الاستقلال، ظل قطاع الصناعة التقليدية مهمّشًا مقارنة بقطاعي الفلاحة والصناعة، إلى أن جاء عهد الملك الراحل الحسن الثاني ليعيد للزليج بريقه المفقود، عبر قرارات فرضت توظيفه في جميع المرافق والمباني الرسمية، وتُوّج هذا التوجه ببناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، الذي شكّل نهضة حقيقية للقطاع وأشرك فيه كبار المعلمين المغاربة. وتلا ذلك عهد الملك محمد السادس، الذي وضع رؤية جديدة للنهوض بالحرفة، ورغم هذا الدعم الرسمي المتواصل، يواجه القطاع اليوم معضلة حقيقية: عزوف الأجيال الجديدة عن تعلم الحرفة. فبعد الانتقال الجغرافي للورشات، أصبح الوصول إلى منطقة بن جليق مكلفًا وشاقًا بالنسبة للشباب الراغبين في التكوين، في ظل غياب حوافز مادية كافية تشجعهم على الالتحاق بالمهنة. والنتيجة أن بعض الصناع باتوا مضطرين للجمع بين عدة أدوار كانت في السابق موزعة على متخصصين مختلفين – كالنقش والرسم والتركيب – بسبب النقص الحاد في اليد العاملة المؤهلة.
والمفارقة اللافتة أن هذا العزوف يتزامن مع طلب متزايد على الزليج المغربي، محليًا ودوليًا، ما يجعل الإنتاج الحالي عاجزًا عن مواكبة الطلب. ويشتغل باحثون اقتصاديون اليوم على تقنيات التسويق الرقمي والتحول الصناعي كمخرج ممكن من هذا المأزق، عبر خلق تكامل بين الصناعة التقليدية والوحدات الصناعية الحديثة، دون التفريط في الطابع اليدوي الذي يمنح الزليج قيمته الجمالية والتاريخية.
أكاديميات التكوين.. خطوة ناقصة
أسس الملك محمد السادس أكاديميات متخصصة للصناعة التقليدية في الدار البيضاء وفاس ومراكش، في مبادرة يُشاد بها من طرف المهنيين. غير أن هؤلاء يشيرون إلى ثغرة أساسية في هذا المسار: التكوين الأكاديمي وحده لا يكفي لإخراج حرفي متكامل، إذ يحتاج المتدرب بعد ذلك إلى الانتقال إلى الورشة الفعلية لاكتساب قواعد المهنة العملية، والتعامل مع الزبائن والمهندسين، وهي مرحلة لا تزال تفتقر إلى آليات ربط واضحة بين التكوين النظري والتطبيق الميداني.
كلمة أخيرة
تتكشف مفارقة المغرب الحضاري في أوضح تجلياتها: نحن أمة تُقدّس تراثها في الخطاب، وتتردد في حمايته في الممارسة. فالقصور والمساجد التي زُيّنت بالزليج لم تكن يومًا مجرد عمارة، بل كانت عقدًا اجتماعيًا صامتًا بين السلطة والحرفي، يضمن لهذا الأخير مكانة ومعيشة مقابل أن يظل حارسًا لسر الصنعة. فهل ما زال هذا العقد قائمًا اليوم، أم أن الدولة، بعد أن استثمرت في الحجر والمؤسسات والأكاديميات، تركت الحلقة الأضعف في هذه السلسلة – وهي الصانع الشاب الذي يجب أن يقرر الالتحاق بالمهنة من عدمه – يواجه مصيره وحيدًا، بين إغراء مهنة أخرى أقل إرهاقًا وأكثر ربحًا، وبين نداء تراث يوشك أن يفقد آخر من يتقنون لغته؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
