السياحة المغربية في مسار قياسي جديد.. 9.4 ملايين زائر إلى نهاية يونيو
لم يعد الأداء السياحي المغربي خلال 2026 مجرد استمرار للمسار التصاعدي الذي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة، بل بدأت الأرقام المتاحة ترسم ملامح سنة قد تقترب من مستوى قياسي جديد، بعدما بلغ عدد الوافدين على وجهة المغرب نحو 9.4 ملايين شخص خلال النصف الأول من السنة، بزيادة قدرها 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
المعطى الذي أوردته مديرية الدراسات والتوقعات المالية في مذكرة حديثة حول الظرفية لا يقتصر على ارتفاع عدد الوافدين. فقد ارتفعت ليالي المبيت في مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة بنسبة 9 في المائة إلى نهاية يونيو، بينما بلغت مداخيل الأسفار 64.9 مليار درهم، مسجلة نمواً أقوى بلغ 15.9 في المائة على أساس سنوي. وبذلك يبدو أن القطاع لا يستفيد فقط من زيادة عدد الزوار، وإنما من ارتفاع العائد الاقتصادي المتأتي من النشاط السياحي أيضاً.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند وضعها في سياق سنة 2025، التي سجل خلالها المغرب رقماً قياسياً باستقبال 19.8 مليون سائح، بزيادة بلغت 14 في المائة مقارنة بـ2024، وفق معطيات أعلنتها وزارة السياحة ونقلتها رويترز. وكان القطاع السياحي يمثل حينها نحو 7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، فضلاً عن دوره في توفير فرص الشغل وجلب العملة الصعبة.
وبعملية حسابية بسيطة، فإن وصول المغرب إلى 9.4 ملايين وافد خلال ستة أشهر يعني أن الحفاظ على الوتيرة نفسها خلال النصف الثاني سيقود إلى نحو 18.8 مليون وافد، أي أقل بقليل من حصيلة 2025 القياسية. غير أن هذا الاستقراء لا يأخذ في الاعتبار الموسمية السياحية ولا اختلاف حركة السفر بين النصفين، ولذلك لا يمكن من الرقم الحالي وحده الجزم بأن المغرب سيتجاوز 19.8 مليوناً. الأدق صحفياً هو القول إن المغرب يسير في مسار يسمح بمنافسة الرقم القياسي السابق، لكن النتيجة النهائية ستتوقف على أداء النصف الثاني من السنة.
وتعطي خريطة الأسواق المصدرة للسياح مؤشراً آخر على اتساع قاعدة الطلب. فقد ارتفعت الوافدات من فرنسا بنسبة 9 في المائة، وألمانيا بـ14 في المائة، وبلجيكا بـ9 في المائة، وهولندا بـ10 في المائة، وإيطاليا بـ6 في المائة، وبريطانيا بـ4 في المائة، والولايات المتحدة بـ9 في المائة. أما السوق البولندية فسجلت قفزة لافتة بلغت 32 في المائة، بما يعكس استمرار تنويع المغرب لمصادر الزوار وعدم اعتماده على سوق أوروبية واحدة.
واللافت كذلك أن النمو لم يعد محصوراً في الوجهات السياحية التقليدية. فقد ارتفعت ليالي المبيت في مراكش بـ10 في المائة، وأكادير بـ11 في المائة، والدار البيضاء بـ11 في المائة، وطنجة بـ10 في المائة، والرباط بـ20 في المائة، بينما سجلت ورزازات نمواً بلغ 23 في المائة، والحوز 7 في المائة، وفاس 6 في المائة، والصويرة 6 في المائة، والرشيدية 9 في المائة. هذه الأرقام تعني أن الانتعاش السياحي ينتشر بدرجات متفاوتة عبر عدد متزايد من المجالات الترابية.
لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام ربما هو 64.9 مليار درهم من مداخيل الأسفار. فالزيادة التي بلغت 15.9 في المائة تفوق بكثير معدل نمو عدد الوافدين، ما يطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: هل أصبح المغرب لا يستقبل عدداً أكبر من الزوار فحسب، وإنما يستفيد من كل زائر بإنفاق أعلى أو بإقامة أطول أو بتركيبة سياحية ذات قيمة مضافة أكبر؟ المعطيات المتوفرة حول ليالي المبيت، التي ارتفعت 9 في المائة، تدعم جزئياً فرضية تحسن النشاط الفعلي، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مصدر ارتفاع العائد لكل سائح.
وهنا تظهر نقطة أخرى تستحق الانتباه: السياحة المغربية لم تعد ملفاً يخص الفنادق والمطاعم فقط. فارتفاع عدد الزوار يضغط في الوقت نفسه على المطارات والنقل الحضري والطرقي، وعلى البنية التحتية والماء والنظافة والفضاءات العمومية والأسواق والخدمات الرقمية. وفي سياق الاستعداد لاستحقاقات كبرى، يصبح نجاح السياحة مرتبطاً بقدرة المدن على تحويل التدفق السياحي إلى قيمة اقتصادية محلية مستدامة، وليس فقط إلى أرقام في مراكز الحدود.
وإذا كان 2025 قد حمل رقماً قياسياً بـ19.8 مليون زائر، فإن التحدي في 2026 لا يتمثل فقط في كسر الرقم السابق. التحدي الحقيقي هو معرفة ما إذا كان المغرب ينجح في الانتقال من سياحة الأرقام إلى سياحة القيمة: إنفاق أكبر، إقامة أطول، توزيع جغرافي أوسع، مواسم سياحية أقل تركّزاً، ومزيد من الاندماج بين السياحة والصناعة التقليدية والثقافة والنقل والاقتصاد المحلي.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه أرقام النصف الأول ليس فقط: هل سيحطم المغرب رقمه القياسي؟، وإنما: ماذا سيفعل المغرب بالزخم السياحي عندما يصبح تحقيق الأرقام القياسية أمراً متكرراً؟ فالوصول إلى 20 مليون زائر قد يكون إنجازاً، لكن تحويل هذا الرقم إلى نمو مستدام في الدخل وفرص العمل والاستثمار والاقتصادات المحلية سيكون هو الاختبار الأصعب.


