شعار جريدة البوصلة

من يدخل الأغلبية ومن يتمهل؟ قراءة في لغة المشاورات

الحكومة

الجميع حضر، والجميع هنّأ، ولا أحد قال «نعم»

صباح الأربعاء 30 شتنبر، صعد وفد التجمع الوطني للأحرار إلى مقر الأصالة والمعاصرة بالرباط. لم يكن عزيز أخنوش في الوفد، وترأسه رئيسه الجديد محمد شوكي إلى جانب بوسعيد والطالبي العلمي. الحزب الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها جاء إذن ضيفاً على مقر حزب نافسه قبل أسبوع، وبوجه قيادي جديد.

خرج شوكي بعبارتين: لقاء اتسم بالوضوح والصراحة، ومساهمة مستقبلية تستحضر المصلحة العليا للوطن. هل قال إن حزبه داخل الحكومة؟ لا. هل قال إنه خارجها؟ لا أيضاً. وقد كتبت صحف أن الأحرار «يفتح باب المشاركة»، لكن رئيسه لم يعلن اتفاقاً نهائياً ولا شيئاً عن هندسة الحكومة.

هذه هي المسألة. بعد اليوم الأول لا نملك إعلان تحالف ولا إعلان قطيعة. نملك لغة تؤجل الجواب، ومن يقرأ هذه اللغة جيداً يفهم أين يقف كل طرف.

حساب لا يكفي فيه أحد

حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، وجاء بعده الأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54. والأغلبية المطلقة في مجلس من 395 عضواً تتطلب 198 مقعداً.

الحساب بسيط: 97 زائد 66 يعطي 163، و97 زائد 65 يعطي 162. لا الأحرار وحدهم ولا الاستقلال وحدهم يكفيان. المنصوري تحتاج حزبين كبيرين أو حزباً كبيراً مع أحزاب أصغر. حين لا يكفي أحد وحده، يصبح التريث ورقة تفاوض، وتتحول كل عبارة مفتوحة إلى ثمن غير معلن.

قاموس اليوم الأول

الأحرار: «مسؤول» و«سيساهم». عبارتان تدعمان مسار التكليف ولا تلتزمان بمقعد في الحكومة. وتنقل تغطيات دولية أن العلاقة بين الحزبين لا تخلو من خلاف، وأن الغموض قائم بشأن من سيتحالف معه الأصالة والمعاصرة. الغموض إذن متبادل.

الاستقلال: حدد نزار بركة أولويات المرحلة في القدرة الشرائية والتشغيل والوحدة الترابية، ودعا إلى تجاوز الحسابات الانتخابية، لكنه لم يحسم الانضمام قبل اجتماع المجلس الوطني. إحالة القرار إلى هيئة تنظيمية تشتري الوقت وتمنح الحزب شرعية داخلية قبل أن يتفاوض على حصته.

الحركة الشعبية: جملة أوزين الأبرز أن الحضور في الأغلبية أو خارجها لا يمثل أولوية للحزب، وأن المهم هو الانتصار للوطن من أي موقع. وهو نفسه قال قبل أسبوعين تقريباً إن الحزب يرفض دور «المكمل» لأي أغلبية، وإن التحالف مرهون ببرامج والتزامات واضحة. الجملتان متسقتان: حزب يقول إنه لا يلهث وراء المقعد، لكنه يضع شروطه على الطاولة. أما دعوته إلى «قطيعة إيجابية» مع المرحلة السابقة فتحتمل قراءتين: رسالة إلى حكومة أخنوش المنتهية، أو طلب من المنصوري بأن تختلف فعلاً عما سبق.

العدالة والتنمية: هو الوحيد الذي أجاب، ومع ذلك لم تكن إجابته بلا تعقيد. المجلس الوطني الاستثنائي حسم بالإجماع عدم المشاركة والتوجه إلى المعارضة. وحين سُئل بنكيران عن إمكانية تغيير الموقف، قال إن الأمر قرار المجلس الوطني وليس قراره وحده، وإن لقاءه بالمنصوري ليس تشاوراً حول الحكومة. هنا تشتغل المؤسسة في مواجهة الشخص، فالمعارضة قرار تنظيمي لا مزاج زعيم.

حين يصبح المكان جزءاً من الجملة

بقيت مسألة المكان. تفيد مصادر صحفية بأن بنكيران رفض التوجه إلى مقر الأصالة والمعاصرة، خلافاً لقيادات حزبية أخرى زارته، وطلب أن يُعقد اللقاء في مكان آخر. وتختلف الروايات في تحديد هذا المكان: مقر المصباح بحي الليمون في رواية، ومنزله بالرباط في أخرى. وتُرجّح المصادر أن يكون السبب بروتوكولياً مرتبطاً بصفته رئيس حكومة أسبق. أي أن الأمر تأويل صحفي لا تصريح منه.

لا أريد أن أحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل. لكن من يعرف السياسة المغربية يعرف أن بروتوكول اللقاء لغة مكتملة. حين تستقبل رئيسة الحكومة المكلفة الوفود في مقر حزبها، يصبح المقر خلفية لكل صورة. ومن يقبل الصعود إليه يقبل دور الضيف، ومن يطلب غيره يعلن، بصمت، أنه يريد أن يُستقبل كندّ. والمفارقة أن المنصوري نفسها هي من فتح الخط بمكالمة هاتفية، وبنكيران رحّب بها وفوّض إليها اقتراح الموعد. الاتصال ودي، والمكان محل خلاف.

نقطة التحول: ليست المشكلة في الأغلبية

إلى هنا يبدو أن السؤال هو: من يدخل ومن يتخلف؟ لكن كلام نبيلة منيب ينقل النقاش إلى مستوى آخر. رفضت منيب اختزال تعيين المنصوري في كونه انتصاراً للمرأة، وقالت إن الأمر لا يتعلق بالنساء، وإنه «لا حداثة بدون ديمقراطية». وتحدثت عن وقائع انتخابية قالت إنها شهدتها، وهي تصريحات تبقى من موقعها ولا تثبت بحد ذاتها مخالفة أو مسؤولية.

المفارقة هنا أن الرمزية، أي أول امرأة على رأس الحكومة، تكاد تكون موضع إجماع، حتى عند من يرفض الدخول في حكومتها. وما يتنازع عليه الجميع هو المعنى السياسي لهذا الحدث: هل هو تتويج لمسار ديمقراطي أم صورة فوق واقع لم يتغير؟ التهنئة لا تكلف شيئاً. أما المشاركة فتكلف حقائب وبرنامجاً وتحمل مسؤولية أمام الناخب.

كلمة أخيرة

في اليوم الأول لم يتأخر حزب عن الحضور، ولم يقل أحد «سنشارك». ربما لأن الحضور مجاني، والأغلبية لها ثمن لم يُعلن بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *