حسابات مونديال 2030.. ملعب فاس وأسئلة 434 مليار سنتيم
حين تُذكر مشاريع كأس العالم 2030 في النقاش العمومي، تتجه الأعين تلقائياً نحو الهياكل الإسمنتية الكبرى، والملاعب الفارهة التي ستتحول إلى أيقونات بصرية على شاشات التلفزيون العالمي. غير أن الحقيقة الاقتصادية والتدبيرية للمونديال تُكتب في مكان آخر تماماً: خارج أسوار الملعب.
الرقم الصادم الذي يلف مشروع تأهيل الملعب الكبير لفاس، المتمثل في غلاف مالي يناهز 4.34 مليار درهم، لا يعكس مجرد كلفة إعادة تهيئة منشأة رياضية، بل يفضح الحسابات الحقيقية للاستثمار العمومي في البنى التحتية المجاورة. هنا تبرز المفارقة: الملعب نفسه قد لا يتطلب سوى جزء من هذا المبلغ الضخم، لكن “كل ما يؤدي إلى الملعب” — من طرق سيارة، شبكات نقل، تهيئة حضرية، ومرافق استقبال — هو ما يبتلع ميزانية الدولة بصمت.
الاقتصاد الخفي للمونديال: عندما يكون الطريق أثمن من الملعب
الخطأ الشائع في تقييم تكلفة التظاهرات الكبرى هو حصر النقاش في “طاقة استيعاب الملاعب” أو “جمالية الواجهات”. لكن المهندسين الماليين ومخططي المدن يعلمون جيدا أن الإرث الحقيقي والتكلفة الحقيقية لأي عرس كروي عالمي يكمنان في البنيات التحتية المندمجة.
في حالة فاس، يضع الغلاف المالي المرصود المدينة أمام اختبار استثنائي في هندسة الإنفاق العمومي. فالمستثمر والمواطن معاً لا يسألان فقط عن عدد المقاعد التي سيضمها الملعب المطوّر، بل عن شبكة الطرق التي ستربطه بمطار فاس سايس، والمحاور الطرقية الحضرية التي ستمنع اختناق المدينة يوم المباراة، والشبكات اللوجستية التي ستحول تظاهرة رياضية عابرة إلى رافعة تنمية مستدامة لجهة كاملة.
الرهان هنا ليس رياضياً، بل ترابي واقتصادي بامتياز: هل ستتحول هذه المليارات إلى أصول منتجة تخدم الساكنة ل عقود مقبلة، أم إلى استثمارات موسمية تخدم 90 دقيقة من الفرוג الكروية ثم تترك المدينة تواجه أعباء صيانتها الباهظة؟
المفارقة: ملاعب لامعة ومدن تعاني من الاختناق
التناقض الصارخ الذي يواجه تدبير مشاريع المونديال يكمن في الهوة بين حجم الاستثمارات الضخمة المرصودة للواجهات الكبرى والخصاص المزمن في البنيات التحتية اليومية للمدن المضيفة.
- فخ التركيز الموضعي: عندما يُضخ مبلغ بجمالية 4.34 مليار درهم في مشروع واحد، ترتفع توقعات الساكنة المحلية في قطاعات حيوية أخرى كالتعليم، الصحة، والنقل العمومي الحضري الذي يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية.
- تكلفة الفرصة البديلة: كل درهم يُنفق على تجهيز محيط الملعب بمعايير استثنائية يفرض مساءلة صارمة حول انعكاسه المباشر على الدينامية الاقتصادية المحلية، وقدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة في الجهة على الاستفادة من كعكة الصفقات العمومية، لا أن تتحول المشاريع إلى جزر تقنية مععزولة عن نسيج المدينة التاريخي والاقتصادي.
المونديال ليس مناسبة لاستعراض العضلات المالية، بل هو مجهر يكشف قدرة الإدارة الترابية على حسن توجيه الموارد نحو الأولويات التي تصنع التنمية لا الواجهة فقط.
ما وراء الأرقام: الحكامة في اختبار الميدان
إن تدبير ورش بهذا الحجم لا يحتمل منطق البرستيج المؤقت. الحكومة والجهات المنتشرة في قلب تحضيرات 2030 مطالبة بإرساء قواعد شفافة للرقابة على النفقات، وضمان أن تترجم هذه المليارات إلى قيمة مضافة حقيقية للمواطن الفاسي أولاً، وللاقتصاد الوطني ثانياً.
حين تصبح كلفة الطرق والمحيط والمرافق أضعاف كلفة البناية الرياضية نفسها، فإن ذلك يعيد طرح السؤال المركزي حول مفهوم “الربحية الاجتماعية” للمشاريع الكبرى: هل نحن نخطط لمدن تستضيف المونديال لأيام معدودة، أم نستخدم المونديال كذريعة لإصلاح مدن تعاني من الاختناق منذ عقود؟
كلمة أخيرة
في مشاريع بحجم المونديال، النجاح الحقيقي لا يُقاس بمدى روعة صافرة النهاية في المباراة النهائية، بل بمدى جودة الطرق التي يسلكها المواطن البسيط صباح اليوم التالي لتتويج البطولة.


