الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
اتحاد طنجة لكرة اليد يراهن على تثبيت أقدامه بالقسم الممتاز واستعادة بريقه

قلب إفريقيا الذي لا يقع في المنتصف: كيف تعيد الرباط صياغة انتمائها القاري عبر الكتاب؟

قلب إفريقيا الذي لا يقع في المنتصف: كيف تعيد الرباط صياغة انتمائها القاري عبر الكتاب؟

لم يكن المشهد اعتيادياً في مقر أكاديمية المملكة المغربية. ثلاثة حاصلين على جائزة نوبل، يجتمعون لإطلاق «دار عوالم الكتاب». الحدث، في قراءته الأولى، يبدو احتفالاً استباقياً، وبروتوكولياً، باختيار منظمة اليونسكو الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026. لكن التدقيق في تفاصيل اللقاء، وفي هويات الحاضرين، يكشف أننا أمام هندسة ناعمة لرسالة أعمق.

الرسالة لا تتعلق فقط بالاحتفاء بالورق، بل بإعادة صياغة الانتماء الجيوسياسي والثقافي للمغرب عبر مسلك غير تقليدي: السرديات.

إفريقيا تقرأ نفسها في الرباط

حين يقف الأديب النيجيري وولي سوينكا، أول إفريقي يُتوج بجائزة نوبل للآداب، ليقول: «اليوم، إفريقيا التقت هنا»، فإن الجملة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية لتلامس حاجة قارية حقيقية.

على مدى عقود، كانت إفريقيا تلتقي في قاعات المؤتمرات السياسية، أو حول طاولات المفاوضات الاقتصادية والأمنية. لكن التقاءها «أدبياً» كان دائماً يمر عبر عواصم الشمال. مبادرة «دار عوالم الكتاب» بدأت خطوتها الأولى باختيار 54 كتاباً يمثلون 54 بلداً إفريقياً. هذا الرقم ليس مجرد صدفة إحصائية، بل هو تطابق تام مع عدد دول القارة.

ما تحاول الأكاديمية فعله هو تحويل الرباط إلى خزان للذاكرة الإفريقية المكتوبة والشفهية. انتقاء كتاب سردي أو من العلوم الإنسانية من كل بلد، يعني جمع مخيالات قارة بأكملها في فضاء واحد، لكي نفهم إفريقيا، ليس من خلال تقارير البنك الدولي أو نشرات الأخبار، بل من خلال القصص التي يرويها أبناؤها عن أنفسهم.

جغرافية القلب

التقط الكاتب الفرنسي (ذو الأصول الموريشيوسية) جان ماري غوستاف لو كليزيو، الحاصل بدوره على نوبل، جوهر هذا التحول بعبارة ذكية حين وصف المغرب بأنه «القلب الجيوسياسي لإفريقيا»، مستدركاً بمفارقة تشريحية بليغة: «والقلب لا يكون في وسط الجسد».

تفسر هذه المفارقة الكثير من ملامح التحرك المغربي المعاصر. يمكن لدولة تقع في أقصى الشمال الغربي للقارة أن تضخ دماء الاستثمار والمبادرات السياسية (مثل مبادرة الأطلسي) في شرايين القارة. لكن هذا «الجسد الإفريقي» لا يمكن أن ينبض بشكل سليم إذا لم يتقاسم أبناؤه ثقافة مشتركة.

يُصدّر المغرب الأسمدة، ويبني البنوك، ويوسع شبكات الاتصالات والطيران في عمق إفريقيا، وهذه حقائق صلبة وملموسة. لكن غياب خطوط تواصل ثقافية موازية يجعل هذه العلاقات عرضة لهشاشة المصالح العابرة. الثقافات التي لا تُحفظ في كتب، كما أشار لو كليزيو، هي ثقافات هشة يمكن تدميرها كما دُمرت مكتبات بغداد قديماً.

الكتاب بوصفه علاقة، لا شيئاً

لا يمكن إغفال الزاوية التي نظر منها أمين السر الدائم للأكاديمية، عبد الجليل لحجمري، للمشروع. «دار عوالم الكتاب» لم تُصمم لتكون مجرد متحف للأغلفة، بل وُصفت بأنها «فضاء حي» يعتبر الكتاب «علاقة» قبل أن يكون شيئاً ملموساً؛ علاقة بين الكاتب والقارئ، وبين أجيال وزمنيات مختلفة.

إتاحة الإقامات الأدبية واستقبال الباحثين يطرح تحدياً حقيقياً أمام العاصمة. فاختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب يضعنا أمام سؤال داخلي ملح: هل يمكن لمدينة أن تحتضن العالم ثقافياً، وتحرس ذاكرة قارة، دون أن تعيد بناء علاقة مواطنيها اليومية مع القراءة؟ لا يمكن للمركزية الثقافية أن تستديم إذا اقتصرت على الصالونات المضاءة جيداً، ولم تتسرب إلى السلوك اليومي للمجتمع.

كلمة أخيرة

أن تكون الرباط عاصمة للكتاب لا يعني فقط أن تستضيف أهم أدباء العالم، بل أن تمتلك الشجاعة لتسأل: من يقرأ لهؤلاء في شوارعنا؟ الثقافة، في نهاية المطاف، تبدأ بقرار مؤسساتي، لكنها لا تحيا إلا بفضول إنسان يفتح كتاباً ليتعرف على حقيقة تختلف عن حقيقته.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

صورة الكاتب فتح برحيل

فتح برحيل

المدير المسؤول

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية

كل مقالات فتح برحيل ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب