الدبلوماسية على أطراف الأصابع: كيف يتحول دوستويفسكي والباليه إلى سفراء لموسكو في الرباط؟
في شارع النصر بالعاصمة الرباط، تقف بناية لا تُصدر ضجيجاً سياسياً كبيراً، لكنها تدير بصمت واحدة من أذكى عمليات القوة الناعمة في المنطقة. «البيت الروسي»، الذي افتتح أبوابه أول مرة عام 1968 خلال الحقبة السوفياتية، لم يعد اليوم مجرد صدى لزمن الحرب الباردة، بل تحول إلى منصة متقدمة لطموح موسكو الجديد.
حين يعلن مدير المركز، فلاديمير سوكولوف، عن تنظيم 80 نشاطاً في السنة، وتسجيل زيارة 20 ألف شخص لجناح روسيا في معرض الكتاب الأخير لاكتشاف أدب دوستويفسكي وتولستوي، فإننا لسنا أمام مجرد «شغف أدبي» بريء، بل أمام عملية إعادة تشكيل للمتخيل المغربي تجاه روسيا.
أدب كلاسيكي لجيوسياسة معاصرة
منذ سنوات، تواجه روسيا تحديات كبرى في تسويق صورتها السياسية دولياً. الحل الذي وجدته موسكو، وتطبقه وكالة «روسوترودنيتشستفو» بحرفية عالية، هو العودة إلى رأس مالها الرمزي الذي لا يختلف عليه أحد: الثقافة العميقة.
الشباب المغربي الذي يتزاحم لاقتناء الروايات الروسية، لا يقرأ فقط عن عذابات «راسكولنيكوف» أو تحولات المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، بل يعقد، بوعي أو بدونه، مصالحة وجدانية مع الثقافة الروسية. هذه المصالحة هي بالضبط ما تبحث عنه موسكو: تحييد الموقف السياسي، وبناء تقارب إنساني يجعل الشباب ينظرون إلى روسيا كوجهة أكاديمية وفنية، وليس فقط كقوة عسكرية أو مصدر للقمح والغاز.
البولشوي في الرباط.. خطوة أبعد من الورق
المفارقة تظهر جلية حين يقترح مدير المركز الروسي استغلال المسرح الملكي الجديد بالرباط لاستضافة فرقة «البولشوي» العريقة. رقص الباليه، الذي يمثل قمة النخبوية والصرامة الفنية الروسية، يُقدم هنا كهدية دبلوماسية.
المسألة تتجاوز العرض الفني. إنه استعراض للقوة، لكن بأسلوب ناعم للغاية (على أطراف الأصابع). عندما تُقنع دولةٌ ما النخبَ والشباب في بلد آخر باستهلاك فنها الراقي، فإنها تسهل لاحقاً تقبل أفكارها ومصالحها. اقتراح إدراج اللغة الروسية في الثانويات المغربية، لتجنيب الطلبة المغاربة «الصدمة الثقافية» عند التحاقهم بجامعات موسكو، هو انتقال صريح من مرحلة «الاستعراض الثقافي» إلى مرحلة «المأسسة». لغة المستضيف هي أول بوابة للولاء له.
الرباط.. واجهة للاختراق الإفريقي
لا يمكن قراءة هذا النشاط المكثف في الرباط بمعزل عن خريطة التحرك الروسي في إفريقيا. الكرملين لا يخفي أوراقه؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه قوى غربية تقليدية من تراجع نفوذها الثقافي والسياسي في القارة، تستعد روسيا لافتتاح ثمانية مراكز ثقافية جديدة في دول مثل السنغال، مالي، والكونغو الديمقراطية.
المغرب، بموقعه الجيوسياسي ووزنه الثقافي، يمثل بالنسبة لموسكو استثناءً نوعياً. في دول الساحل، قد يكون الحضور الروسي أمنياً بالأساس. أما في الرباط، فالمدخل يجب أن يكون شديد الرقي، يعتمد على الندوات الفكرية، معارض الرسم، وبرامج التبادل. موسكو تدرك جيداً أن من ينجح في بناء جسر ثقافي متين في الرباط، يحصل على بطاقة عبور ذهبية نحو عقول النخب الإفريقية.
كلمة أخيرة
الدبابات والاتفاقيات الاقتصادية قد تصنع حليفاً مؤقتاً، لكن الثقافة تصنع تعاطفاً يمتد لأجيال. عندما يجد شاب مغربي نفسه متأثراً بعمق الأدب الروسي ومستعداً لتعلم لغته، فإن موسكو تكون قد كسبت معركة جيوسياسية كاملة، دون أن تطلق رصاصة واحدة.


