يعود مشروع الربط السككي بين وجدة والناظور، مروراً ببركان، إلى واجهة النقاش العمومي في جهة الشرق، بعد سنواتٍ طويلة ظلّ خلالها مجرّد وعدٍ يتردّد في كل محطة سياسية أو مناسبة انتخابية دون أن يتجاوز عتبة الإعلان. فقد كشفت وزارة النقل واللوجستيك أن دراسة الجدوى الخاصة بالخط بلغت مراحل متقدّمة، فيما يتولّى المكتب الوطني للسكك الحديدية إعداد المسار الذي يمتدّ على مسافةٍ تتراوح بين 110 و120 كيلومتراً، انطلاقاً من الناظور، مروراً بزايو وبركان، وصولاً إلى وجدة، في انسجامٍ مع المخطط الوطني للربط السككي والمخطط الجهوي لإعداد التراب.
مشروعٌ يتجاوز حدود الجهة
لا تقف أهمية هذا الخط عند حدودها الرمزية أو الجهوية الضيّقة، بل تندرج ضمن رؤيةٍ وطنيةٍ أوسع لإعادة رسم خريطة التنقل والتبادل الاقتصادي بين الجهات الحدودية والمناطق الداخلية للمملكة. فالمغرب، وهو يستعد لاستحقاقاتٍ كبرى كتنظيم كأس العالم 2030 وتوسيع شبكته السككية عبر مشروع الخط عالي السرعة نحو الجنوب، يجد في مشروعاتٍ من هذا القبيل امتداداً طبيعياً لسياسة الإنصاف الترابي التي طالما نادت بها الخطب الملكية والوثائق الاستراتيجية للدولة: ألا تبقى الجهات الحدودية، وعلى رأسها الشرق، على هامش دينامية التنمية التي تعرفها المحاور الكبرى كالدار البيضاء والرباط وطنجة.
فالربط السككي بين الناظور ووجدة ليس مجرد خطٍّ حديدي يختصر المسافة بين مدينتين، بل هو استثمارٌ في فكرة التماسك الترابي ذاتها: أن يشعر مواطن الشرق أنه جزءٌ من دينامية وطنية، لا ينتظر فتات مشاريع الآخرين، بل يملك بنيته التحتية الخاصة التي تصله بمحيطه الإقليمي والدولي.
أرقامٌ تختصر معاناة سنوات
يَعِد المشروع بتقليص زمن الرحلة بين الناظور ووجدة من نحو سبع ساعات ونصف حالياً — عبر مسلكٍ يمرّ إجبارياً بتاوريرت وما يفرضه من محطات انتظارٍ طويلة ومرهقة — إلى ساعةٍ ونصف الساعة فقط. هذا الفارق الزمني الهائل ليس مجرد رقمٍ إحصائي، بل هو ترجمةٌ مباشرة لسنواتٍ من معاناة يومية عاشها الطلبة المتنقلون بين المدينتين، والعمّال، والتجار، والمرضى الذين يقصدون المستشفيات الجامعية، وكل من فرضت عليه الجغرافيا مسافةً كان يمكن للسكة الحديدية أن تختصرها منذ عقود.
كما يأتي المشروع في تكاملٍ استراتيجيٍّ مع ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يراهن عليه المغرب ليكون بوابةً لوجيستية كبرى على البحر الأبيض المتوسط. فربط هذا الميناء بشبكة السكك الحديدية الوطنية عبر وجدة يعني عملياً وصله بمنظومة النقل الوطنية بأكملها، وهو ما يَعِد بتحويل جهة الشرق إلى قطبٍ لوجيستي تنافسي حقيقي، لا مجرد محطة عبور، مع ما يحمله ذلك من انعكاساتٍ إيجابية على الاستثمار المحلي وفرص الشغل في المدن التي يعبرها الخط.
بين وعود الأمس وحذر اليوم
غير أن القراءة الموضوعية للمشروع لا يمكن أن تكتفي بسرد الوعود، بل تستدعي أيضاً استحضار الذاكرة القريبة. فالمشروع طُرح مراراً على مدى سنوات، واصطدم في كل مرةٍ بإكراهاتٍ متكررة: تمويلٌ غير محسوم، ومسارٌ لم يُحسم نهائياً، وإعلاناتٌ سياسية لم تُترجم بعد إلى جدولةٍ زمنيةٍ دقيقة. وإلى اليوم، لم يُعلَن رسمياً عن تاريخٍ محدّد لانطلاق الأشغال، وهو ما يجعل الحماس المشروع الذي تثيره الأخبار الأخيرة مشوباً بحذرٍ يفرضه تراكم التجربة.
فبين تقدّم الدراسات التقنية من جهة، ودخول ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل الفعلي من جهة أخرى، تبقى العبرة الحقيقية بالتنزيل الفعلي على الأرض: بمعول البناء لا بحبر البيانات، وبتاريخ انطلاقٍ ملموسٍ للأشغال لا بتصريحاتٍ تتكرر في كل موسم.
كلمة أخيرة
مشروع الربط السككي بين وجدة والناظور يختصر، في جوهره، حلماً قديماً لجهة الشرق بأن تصبح جزءاً فاعلاً من الخريطة اللوجيستية للمملكة، لا مجرد امتدادٍ جغرافيٍّ بعيدٍ عن مراكز القرار والتنمية. وهو حلمٌ مشروعٌ تدعمه المعطيات التقنية والاستراتيجية على حدٍّ سواء. لكن المسافة الفاصلة بين “دراسة الجدوى” و”القطار الأول المنطلق فعلياً من الناظور نحو وجدة” تظل، حتى إشعارٍ آخر، هي المقياس الحقيقي لمصداقية هذا الوعد. والمواطن، الذي انتظر طويلاً، لن يُقنعه اليوم سوى موعدٍ محدَّدٍ للأشغال، ورافعةٍ تبدأ عملها فعلياً على أرض الشرق.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
