شعار جريدة البوصلة

الاستضافات الرياضية المتلاحقة في المغرب: استثمار في مستقبل رياضي، أم واجهة تستنزف الموارد دون أثر شعبي حقيقي؟

tandim

مملكة على موعد دائم مع الأضواء

لم يعد المغرب، منذ سنوات، بلدًا يستضيف الأحداث الرياضية الكبرى بين الحين والآخر، بل تحوّل إلى محطة شبه دائمة على خريطة التظاهرات القارية والعالمية. من كأس أمم إفريقيا 2025 إلى كأس العالم 2030 المشترك مع إسبانيا والبرتغال، مرورًا بملفات استضافة أخرى في كرة اليد وألعاب القوى والرياضات الجماعية، يجد المغرب نفسه في قلب مشهد رياضي عالمي متسارع. غير أن هذا الزخم، الذي يُقدَّم رسميًا بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا واقتصاديًا، يطرح سؤالًا لا يقل إلحاحًا عن سؤال النجاح في التنظيم: هل هذه الاستضافات استثمار حقيقي في مستقبل البلاد الرياضي والاقتصادي، أم واجهة براقة تستهلك موارد ضخمة بينما يبقى المواطن العادي بعيدًا عن ثمارها؟

الحجة الأولى: بنية تحتية لن تُبنى لولا الكرة

أنصار هذا التوجه يستندون إلى حجة عملية قبل أن تكون رياضية: بعض المشاريع الكبرى التي ظلت حبيسة الأدراج لعقود، لم تجد طريقها إلى التنفيذ إلا حين ارتبطت بموعد نهائي لا يمكن تأجيله، هو صافرة الحكم. الربط السككي بين طنجة وأكادير، الطرق السيارة الرابطة بين مدن الوسط والجنوب، توسعة المطارات، وتأهيل الفنادق، كلها أوراش وُضعت على السكة الفعلية بفعل الضغط الزمني الذي يفرضه تنظيم بطولة عالمية. من هذه الزاوية، فإن كأس العالم ليست الهدف بل الذريعة المثلى لتسريع مخطط تنموي كان من المفترض أن يتحقق أصلًا، بصرف النظر عن الكرة.

من الناحية المالية البحتة، تشير التقديرات المتداولة إلى أن الكلفة الإجمالية لتنظيم المغرب لحصته من مونديال 2030 تتراوح في حدود خمسة مليارات دولار تقريبًا، أي ما يعادل نحو خمسين مليار درهم، موزعة بين بناء ملاعب جديدة وتحديث أخرى وتحسين النقل والقطاع الفندقي. وحين تُقارَن هذه الأرقام بكلفة النسخ الأخيرة من البطولة -التي بلغت عشرات ومئات المليارات من الدولارات في حالات مثل قطر- يبدو الرقم المغربي معقولًا نسبيًا، بل ومحدودًا مقارنة بما أنفقته دول أوروبية على تجديد ملاعبها وحدها.

الحجة المضادة: من يدفع الثمن، ومن يقطف الثمار؟

في المقابل، يرى المتشككون أن مقارنة الأرقام المغربية بأرقام قطر أو الولايات المتحدة تبقى مضللة، لأن السؤال الحقيقي ليس “كم أنفقت الدول الأخرى؟” بل “ماذا كان بإمكان هذا المبلغ أن يحقق لو وُجّه مباشرة نحو التعليم أو الصحة أو التشغيل؟”. فوفق تقرير مشروع قانون المالية، تجاوزت النفقات المخصصة لملف البنيات التحتية الرياضية وتنظيم التظاهرات ودعم الجمعيات الرياضية 288 مليار سنتيم في سنة واحدة فقط، وهو رقم يتضاعف مع اقتراب المواعيد الكبرى.

الأخطر من حجم الإنفاق، في نظر هذا الطرح، هو سؤال المردودية الفعلية. دراسات اقتصادية تناولت تجارب سابقة، مثل مونديال البرازيل 2014، خلصت إلى أن العائدات الناتجة عن الزيادة في حضور الملاعب وما رافقها من نشاط اقتصادي لم تُعوّض سوى جزء ضئيل من الكلفة الإجمالية التي تحمّلها المستثمرون، بفارق يصل إلى عشرين ضعفًا بين ما أُنفق وما عاد فعليًا. بعبارة أخرى، فإن “منطق الاستثمار” الذي يُروَّج له إعلاميًا قد لا يصمد أمام الحساب الدقيق للكلفة والعائد، خصوصًا حين يُقاس الأثر على مدى سنوات وليس خلال أسابيع البطولة فقط.

أين يقف المواطن من كل هذا؟

هنا يكمن جوهر السؤال الذي يتجاوز الأرقام المجردة إلى معيشة الناس اليومية. بينما تُشيَّد الملاعب العملاقة وتُجدَّد الطرق المؤدية إليها، لا يزال معدل البطالة بين الشباب المغربي يراوح في مستويات مقلقة، إذ سجلت الفئة العمرية بين 15 و24 سنة معدل بطالة تجاوز 37 في المئة خلال سنة 2025، وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، وهو رقم يرتفع أكثر في صفوف حاملي الشهادات الجامعية داخل المدن. وبينما تحظى مدن الاستضافة الكبرى -الدار البيضاء، الرباط، مراكش، طنجة، أكادير، فاس- بحصة الأسد من الاستثمارات الرياضية، تبقى مناطق أخرى، كجهة الشرق مثلًا، تنتظر أن يصلها الأثر الاقتصادي لهذه الدينامية دون أن يتحقق ذلك بالسرعة أو بالحجم الموعودين.

السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط، حين يشاهد ملعبًا جديدًا بسعة تقارب مئة ألف متفرج، ليس فنيًا بل معيشيًا: هل سيغيّر هذا الملعب من فرصه في الحصول على عمل قار؟ هل سينعكس إيجابًا على ثمن السلة الغذائية أو ولوجه إلى الخدمات الصحية؟ الفجوة بين حجم الاستثمار المرئي في البنية التحتية الرياضية، والأثر غير المرئي على الحياة اليومية لعموم الأسر، هي ما يغذي الشك في جدوى هذه الاستضافات، أكثر من أي خطاب مضاد لها.

بين المنطقين: هل الثنائية زائفة أصلًا؟

قد يكون الخطأ المنهجي الأكبر هو وضع “الاستثمار” و”الواجهة” في خانتين متناقضتين تمامًا، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فبعض المشاريع المرتبطة بالمواعيد الرياضية -كخط القطار نحو أكادير أو الطريق السيار بين مراكش وأزيلال وفاس- ستبقى بنية تحتية دائمة تخدم المواطنين لعقود، بصرف النظر عن نتيجة أي مباراة. لكن في المقابل، فإن جزءًا آخر من الإنفاق -خصوصًا ما يتعلق بالسعة المفرطة لبعض الملاعب أو التجهيزات ذات الاستخدام الموسمي المحض- يخاطر بأن يتحول، بعد انتهاء الأضواء، إلى عبء صيانة دون فائدة تشغيلية تُذكر، على غرار ملاعب بُنيت في تجارب دولية سابقة ثم تحولت إلى منشآت شبه مهجورة.

الفيصل الحقيقي إذن ليس في مبدأ الاستضافة نفسه، بل في طريقة تخطيطها: هل صُمم كل مشروع ليخدم حاجة تنموية قائمة أصلًا، أم أُضيف فقط لإرضاء معايير كراسي الفيفا؟ وهل واكبت الاستثمارة سياسات مرافقة -تكوين مهني، تشغيل محلي، دعم للمقاولات الصغرى في مدن الاستضافة- أم اقتصر الأمر على البناء والإسمنت؟

كلمة أخيرة

بين ملعب يُشيَّد بمليارات الدراهم وشاب عاطل ينتظر فرصة عمل لا تأتي، تقف الاستضافات الرياضية المغربية على خط رفيع بين الحلم الجماعي والاستنزاف الصامت. فهل ستنجح هذه اللحظة التاريخية في أن تكون رافعة حقيقية تنتقل بآثارها من الملعب إلى الحي الشعبي، أم أنها ستمر كموسم أضواء عابر، يُطوى بعد صافرة النهاية بينما تبقى الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية معلقة كما كانت؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *