مفارقة تستحق التوقف
انتهت قبل أسابيع قليلة نهائيات كأس العالم 2026، وقد شهدت هذه النسخة التاريخية – الأكبر في عدد المشاركين والمباريات – محطة لافتة بالنسبة للتحكيم المغربي: أربعة حكام مثّلوا المملكة ضمن أكبر طاقم تحكيمي في تاريخ المونديال، وفي مقدمتهم الحكم الدولي جلال جيد الذي قاد مباريات في الدور الأول ثم امتدت مهمته إلى الأدوار الإقصائية، قبل أن يُتوَّج هو وزميله زكرياء برينسي بتكريم من “فيفا” عقب مباراة تحديد المركز الثالث بين إنجلترا وفرنسا. حتى الأسطورة الإيطالية بيير لويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام بالاتحاد الدولي، وصف إحدى قرارات جيد بأنها “صحيحة ومثالية بنسبة مائة في المائة”.
والمفارقة الأكثر دلالة ليست في هذا التتويج بحد ذاته، بل فيما كشفته وسائل الإعلام المتابعة لمسيرة جيد: فالحكم نفسه الذي أشاد به كولينا على أعلى مسرح كروي في العالم، كان قبل ذلك من بين الحكام الذين واجهوا انتقادات كبيرة داخل البطولة الاحترافية المغربية. الرجل ذاته، بنفس الأدوات وبنفس التكوين الأساسي، انتقل من موضع التشكيك المحلي إلى موضع الإشادة الدولية. فكيف يمكن تفسير هذا التحول الجذري في التقييم لنفس الحكم، إن لم يكن السبب متعلقاً بالسياق والمنظومة التي يعمل ضمنها أكثر مما يتعلق بكفاءته الشخصية؟
هذا هو المدخل الحقيقي لفهم أزمة التحكيم المغربي، وهو ما يستدعي طرح السؤال بدقة: هل نحن أمام أزمة ثقة، أم أمام أزمة كفاءة وتكوين ومنظومة؟
من الانتقاد المحلي إلى الإشادة العالمية: حالة جلال جيد
قصة جلال جيد وحدها تختصر إشكالية هذا المقال. فالحكم الذي قاد مباراة ألمانيا وكوراساو، ثم ألمانيا وباراغواي، إلى جانب مباراة البرتغال وأوزبكستان، ونال ثقة لجنة الحكام الدولية لإدارة مواجهات في الأدوار الإقصائية، هو نفسه الذي راكم في السنوات الأخيرة خبرة قارية معتبرة قبل أن “ينصفه” فيفا – على حد تعبير عدد من المتابعين الرياضيين. وقد أجمع كثير من المحللين، عقب هذا الأداء المتميز، على أن تألق جيد يؤكد أن مشكل التحكيم في المغرب هو مشكل منظومة داخل الدوري المحلي، وليس مشكل كفاءات فردية.
هذه الخلاصة، الصادرة عن متابعين مختصين بعد معطى واقعي وليس عن افتراض نظري، تشكل الحجة الأقوى في هذا المقال: حين يخرج الحكم من السياق المحلي إلى سياق دولي أكثر احترافية في التكوين والمواكبة والتقييم، يتغير مستوى أدائه المُدرَك جذرياً. وهذا لا يمكن أن يكون مصادفة متكررة.
أزمة الثقة: كما تُروى في الملاعب
لا يمكن إنكار أن خطاباً واسعاً، سواء في مدرجات الملاعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي، يؤطر أزمة التحكيم باعتبارها أزمة نزاهة قبل أن تكون أزمة كفاءة. الأندية التي تتقدم ببلاغات احتجاجية متكررة، وجماهير تتحدث عن “استهداف” أو “تحيز”، ومحللون رياضيون يشككون في نوايا حكام بعينهم – كل هذا يغذي رواية مفادها أن المشكل أخلاقي بالدرجة الأولى.
وهذه الرواية، رغم أنها تلقى صدى شعبياً واسعاً، تستحق أن تُؤخذ بجدية باعتبارها تعبيراً عن إحباط مشروع، لكنها لا تصمد وحدها أمام التحليل الموضوعي. فلو كان المشكل أزمة نزاهة عامة وممنهجة، لما كان من الممكن لهذه المنظومة ذاتها أن تُفرز حكاماً يحظون بثقة أعلى هيئة تحكيمية في العالم. الفساد، إن وُجد في حالات فردية، لا يفسر ظاهرة بحجم الأخطاء التحكيمية المتكررة التي تشمل حتى تقنية الفار التي يُفترض أنها آلية تصحيحية موضوعية بامتياز.
حين تخون التقنية نفسها: الفار كمثال كاشف
من أبرز المؤشرات التي تدعم فرضية “أزمة الكفاءة” هو أن الأخطاء لم تعد حكراً على القرارات الميدانية السريعة التي يتخذها الحكم الساحي تحت ضغط اللحظة، بل امتدت إلى تقنية الفيديو ذاتها، رغم ما توفره من إعادة مشاهدة وزمن للتروي واستشارة. فحين يخطئ حكم الفار، الذي يعمل في ظروف تقنية مثالية وبمعزل عن ضغط الجمهور المباشر، يصعب تفسير ذلك بنظرية “التواطؤ” أو “النية المُبيتة”، ويصبح التفسير الأقرب إلى المنطق هو وجود خلل في التكوين، أو في فهم البروتوكولات، أو في معايير اختيار من يُسند إليهم هذا الدور الحساس.
هذا لا يعني إعفاء المنظومة من المساءلة، بل بالعكس: يعني أن المساءلة يجب أن تتجه نحو الجهة الصحيحة – وهي جودة التكوين وآليات الانتقاء – بدل أن تستنزف نفسها في اتهامات لا يمكن إثباتها ولا نفيها.
من التكوين إلى التعيين: أين تكمن الثغرة الحقيقية؟
الفارق بين حكم يُدير مباريات إقصائية في نهائيات كأس العالم وحكم يتعثر في مباراة بالبطولة الاحترافية ليس فارقاً في الموهبة الخام بالضرورة، بل في مسار التكوين والتراكم والمواكبة. الحكام الأربعة الذين اختارهم الاتحاد الدولي لم يصلوا إلى هذا المستوى بمعزل عن نظام تكوين وتقييم صارم فرضه “فيفا” ذاته على المرشحين لتحكيم مبارياته، بمواكبة تقنية وبدنية ونفسية متواصلة طيلة سنوات قبل انطلاق البطولة.
في المقابل، يبقى السؤال مشروعاً: هل تتوفر البطولة الاحترافية المغربية على آلية مماثلة من حيث الصرامة في التكوين المستمر، وفي معايير إسناد المباريات الكبرى لحكام بعينهم دون سواهم، وفي تقييم الأداء بعد كل جولة بشكل شفاف يُبنى عليه فعلياً؟ أم أن التعيينات المحلية لا تزال تخضع لمنطق التوازنات أكثر مما تخضع لمنطق الجدارة والاستحقاق؟
هذا هو جوهر الإشكال: ليس المغرب عاجزاً عن تكوين حكام أكفاء – والدليل حاضر وملموس على أعلى مستوى عالمي – لكن يبدو أن هناك فجوة بين القدرة على إنتاج النخبة التحكيمية من جهة، وبين تعميم نفس معايير الجودة والاستقرار على كامل الهرم التحكيمي الوطني من جهة أخرى.
الرجل المناسب في المكان المناسب: معادلة غائبة
المشكلة، في جوهرها، أقرب إلى أزمة هندسة مؤسساتية منها إلى أزمة أخلاق فردية. حين يُسند حكم إلى مباراة تفوق مستوى خبرته الفعلي، أو حين يُعتمد معيار الأقدمية بدل معيار الأداء الحديث في توزيع المهام، أو حين لا تُواكَب المنظومة التحكيمية المحلية بنفس وتيرة التكوين المستمر التي يفرضها التحكيم الدولي – تصبح النتيجة الطبيعية هي تذبذب في المستوى يُفسَّر شعبياً كأزمة نزاهة، بينما هو في الحقيقة أزمة توظيف للكفاءات في غير موضعها الأمثل.
بمعنى آخر: المغرب يملك الخام البشري القادر على بلوغ القمة، لكن المسافة بين إنتاج النخبة والحفاظ على مستوى متجانس عبر كامل الهرم التحكيمي هي المسافة التي تُفسِّر هذا التناقض الظاهري بين التتويج الدولي والاحتقان المحلي. والحل، بناء على ذلك، لا يكمن في حملات تشهير أو اتهامات عامة تستهدف الحكام كأفراد، بل في إصلاح مؤسساتي يضمن اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب: تكويناً متواصلاً، وتقييماً موضوعياً وشفافاً بعد كل مباراة، ومعايير ترقية داخلية تقوم على الاستحقاق لا على الأقدمية أو التوازنات.
كلمة أخيرة
حين نجح المغرب في تصدير أربعة حكام إلى أكبر محفل كروي في العالم، وحين تحوّل حكمٌ كان مثار جدل محلي إلى اسم يُشاد به على لسان بيير لويجي كولينا نفسه، فإن ذلك أثبت أن جودة التكوين ممكنة متى توفرت الإرادة والمواكبة الصارمة. فلماذا إذن يبقى هذا النموذج استثناءً يُصدَّر إلى الخارج، بدل أن يكون قاعدة تُعمَّم على كامل المنظومة التحكيمية الوطنية؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
