أحيانًا أشعر أن أول من يعاقب المقاولة الصغيرة على نجاحها هو النظام الجبائي نفسه!
وأقول هذا ليس لأنني ضد الضرائب، ولا لأن المقاول يجب ألا يساهم في تمويل الدولة.
بالعكس، من الطبيعي أن تؤدي المقاولة الضرائب عندما تحقق أرباحًا، ومن الطبيعي أن تساهم في الاقتصاد وفي تمويل الخدمات العمومية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل النظام الجبائي الحالي يراعي فعلًا واقع المقاولة الصغيرة التي بدأت من الصفر وتحاول فقط أن تقف على رجليها؟
تخيلوا معي مقاولًا بدأ بدون رأس مال كبير.
أسس شركته، وهيكل نشاطه، وحاول أن ينتقل من العمل الفردي والعشوائي إلى مقاولة حقيقية ومنظمة.
ولكي يتطور، احتاج إلى التجهيز.
حاسوب، سيارة، آلات، معدات إنتاج، مقر، برامج، تجهيزات…
وبما أنه لم يرث رأس مال ولم يكن يتوفر على سيولة كبيرة، اضطر إلى الاقتراض.
أصبح لديه قرض يؤديه كل شهر لعدة سنوات.
بعد ذلك أراد أن ينتج أكثر، فقام بما نطالبه به جميعًا:
خلق فرص شغل.
وظف شخصًا، ثم شخصين، ثم فريقًا.
وفجأة لم تعد تكلفة الموظف هي راتبه فقط، بل الراتب والاشتراكات الاجتماعية وباقي الالتزامات المرتبطة بالتشغيل.
كل خطوة نحو النمو تخلق معه التزامًا ماليًا جديدًا.
ورغم ذلك يستمر المقاول…
يستثمر، يوظف، يشتري المعدات، يبحث عن الزبناء، ينتظر مستحقاته، يؤدي الموردين، يؤدي البنك، يؤدي الأجور، ويتحمل مخاطر السوق.
ثم بعد سنوات من المحاولة، ينجح أخيرًا في تحقيق نتيجة جبائية إيجابية.
هنا من المفروض أن نقول له:
مبروك، بدأت شركتك تقف على رجليها.
لكن الواقع يقول له:
الآن بدأ وقت الأداء!
ستؤدي الضريبة على الشركات عن الربح الذي حققته.
وهذا مفهوم.
لكن بعد ذلك ستبدأ أيضًا في أداء تسبيقات عن الضريبة الخاصة بالسنة القادمة، بناءً على نتيجة السنة الماضية.
وهنا بالنسبة لي يوجد أحد أكبر الإشكالات.
لأن الربح المحاسبي أو الجبائي لا يعني بالضرورة أن المال موجود في الحساب البنكي.
قد تكون الشركة رابحة على الورق…
لكن جزءًا كبيرًا من سيولتها ذهب إلى سداد القروض.
وجزءًا آخر إلى شراء معدات جديدة.
وجزءًا إلى الأجور.
وجزءًا إلى الموردين.
وجزءًا ما يزال عند الزبناء في شكل مستحقات لم يتم تحصيلها بعد.
ثم تأتي لتطلب منها أن تمول مقدمًا ضريبة مرتبطة بسنة لم نعرف أصلًا كيف ستنتهي!
قد تكون السنة المقبلة ممتازة.
وقد تكون كارثية.
قد تفقد الشركة زبونًا مهمًا.
قد ينهار الطلب.
قد تتأخر مستحقاتها.
قد تخسر صفقة.
قد تمر بأزمة سيولة.
ومع ذلك تكون قد أخرجت من خزينتها مبالغ كانت تحتاج إليها لتمويل نشاطها.
صحيح أن هذه التسبيقات لا تضيع ويمكن احتسابها ضريبيًا لاحقًا.
لكن المشكلة بالنسبة للمقاولة الصغيرة ليست فقط: هل سأسترجع هذا المال محاسبيًا؟
المشكلة هي:
متى خرج المال من حسابي؟
لأن 50 ألف درهم اليوم بالنسبة لمقاولة صغيرة قد تكون هي الفرق بين:
أن توظف شخصًا جديدًا أو لا توظفه.
أن تشتري آلة وترفع إنتاجيتها أو تؤجل الاستثمار.
أن تؤدي أجور فريقها في الوقت المحدد أو تدخل في أزمة.
أن تستمر أو تتوقف.
هناك فرق كبير بين الربح والسيولة.
وأعتقد أن جزءًا من نظامنا الجبائي ما زال ينظر كثيرًا إلى النتيجة المحاسبية، ولا ينظر بما يكفي إلى دورة حياة المقاولة وحاجتها إلى السيولة.
وهنا تكمن المفارقة:
نقول للمقاولة الصغيرة:
استثمري.
وظفي الشباب.
كبري رقم معاملاتك.
هيكلي نشاطك.
أدخلي الاقتصاد المنظم.
استعملي البنوك.
طوري إنتاجك.
لكن كلما حاولت أن تفعل ذلك، ارتفعت الالتزامات حول عنقها.
أنا لست مع إلغاء الضرائب عن المقاولات.
أنا مع نظام جبائي يفهم أن المقاولة التي عمرها 3 أو 5 سنوات ليست مثل شركة عمرها 30 سنة ولديها احتياطيات وممتلكات وسيولة.
مع نظام يشجع إعادة استثمار الأرباح داخل الشركة.
مع تسبيقات ضريبية أكثر مرونة وترتبط أكثر بالنتائج الحقيقية للسنة الجارية.
مع تحفيز المقاولات التي توظف لأول مرة.
مع تخفيف العبء خلال سنوات البناء الأولى.
مع إعطاء المقاولة الصغيرة فرصة لتكوّن احتياطيًا ماليًا قبل أن نضغط عليها بمجموعة من الالتزامات المتزامنة.
لأن الدولة عندما تساعد مقاولة صغيرة على أن تصبح متوسطة، لن تخسر الضرائب.
بالعكس.
بعد خمس أو عشر سنوات ستحصل منها على ضرائب أكثر، وستخلق وظائف أكثر، وستنتج أكثر، وستتعامل مع موردين أكثر، وستساهم أكثر في الاقتصاد.
أحيانًا أفضل دعم يمكن أن تقدمه الدولة للمقاولة الصغيرة ليس أن تمنحها المال…
بل فقط:
أن تترك لها جزءًا أكبر من مالها في السنوات التي تحاول فيها أن تنمو.
نحن لا نحتاج نظامًا يعاقب المقاولة فور أن تبدأ في تحقيق أول أرباحها.
نحتاج نظامًا يساعدها على أن تتحول من مقاولة هشة إلى مقاولة قوية.
لأن قتل المقاولة الصغيرة بالالتزامات لن يزيد مداخيل الدولة على المدى الطويل…
بل سيقتل واحدًا من أهم مصادرها المستقبلية: مقاولات قوية، وظائف مستقرة، واقتصاد منتج
