شعار جريدة البوصلة

الإنعاش الوطني.. 65 عاما من «المؤقت»: كيف تحولت أوراش محاربة البطالة إلى منظومة تشغيل داخل المرافق العمومية؟

الانعاش الوطني

أمين طاهر: مدير نشر موقع “البوصلة”

من برنامج أُحدث في مغرب ما بعد الاستقلال لمواجهة البطالة، إلى منظومة لها مديرية مركزية وشبكة أجور خاصة وحساب مالي بمليارات الدراهم وملايين أيام العمل.. وبينما تؤكد الحكومة أن عمال الإنعاش الوطني لا يوجدون في وضعية نظامية قارة ولا يكتسبون، بمجرد اشتغالهم، حق الإدماج في الوظيفة العمومية، تكشف أسئلة برلمانية حديثة عن وجود بعضهم داخل المحاكم ومصالح الحالة المدنية ومرافق عمومية أخرى. فمتى ينتهي «المؤقت» عندما يمتد العمل لسنوات وعقود؟ ومن يحدد أيام العمل والأجر؟ وما الذي ينتظر العامل عندما تنتهي سنوات الخدمة؟

في صيف 1961، كان المغرب الخارج حديثا من سنوات الاستعمار يواجه واحدا من أثقل تحديات بناء الدولة: كيف يمكن تشغيل اليد العاملة، خصوصا في العالم القروي، وفي اقتصاد لم يكن قد استكمل بعد بناء مؤسساته وقدراته الإنتاجية؟

في 15 يوليوز من تلك السنة، صدر الظهير الشريف رقم 1.61.205 المتعلق بالإنعاش القروي، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 2543 بتاريخ 21 يوليوز 1961. وكانت الفكرة مرتبطة بتنسيق وتنفيذ سياسة ترمي إلى تحقيق التشغيل الكامل للسكان في الوسط القروي، قبل أن يتطور الجهاز لاحقا إلى الإنعاش الوطني.

كان ذلك مغربا آخر؛ كانت البطالة والفقر والهشاشة في العالم القروي تحديات مباشرة أمام الدولة الوليدة، وكانت الحاجة إلى تشغيل اليد العاملة في أوراش كثيفة الاستخدام للعمل جزءا من معادلة التنمية والاستقرار.

لكن البرامج المؤقتة تواجه، مع مرور الزمن، اختبارا لا يقل أهمية عن الغاية التي أنشئت من أجلها:

ماذا يحدث عندما يطول المؤقت؟

ماذا يحدث عندما لا يعود العامل يظهر فقط في ورش عابر، بل داخل مرفق يقدم خدمة عمومية كل يوم؟ وماذا يعني أن يستمر بعض العاملين في أداء مهامهم سنوات طويلة، بينما تظل وضعيتهم القانونية مرتبطة بمنظومة أنشئت أصلا لمحاربة البطالة من خلال فرص شغل غير دائمة؟

«مؤقت» منذ عقود

في 24 أكتوبر 2025، عادت وضعية عمال الإنعاش الوطني إلى مجلس النواب من خلال سؤال كتابي حمل الرقم 25361 حول «تسوية الوضعية الإدارية والاجتماعية لعمال وعاملات الإنعاش الوطني».

السؤال تقدمت به النائبة سكينة لحموش، عن حزب الحركة الشعبية والفريق الحركي، ووجهته إلى وزير الداخلية. وجاء فيه أن عددا من العمال يشتغلون في المرافق العمومية منذ عقود، وأن بعض الحالات تتجاوز مدة عملها 30 سنة، مع طرح قضايا الترسيم والأجور والتغطية الاجتماعية والتقاعد.

الجواب الحكومي، المؤرخ في 20 نونبر 2025، لم يتجه نحو التسوية أو الإدماج. فوزارة الداخلية تتمسك بأن عمال الإنعاش الوطني لا يوجدون، من الناحية القانونية، في وضعية نظامية قارة تسمح باحتساب خدماتهم للترسيم في الوظيفة العمومية، معتبرة أن الظهير المؤسس لم ينص على إدماج العاملين بهذا القطاع في أسلاك الوظيفة العمومية، وأن الأوراش أحدثت أساسا لمحاربة البطالة عبر فرص شغل موسمية تنتهي بانتهاء البرامج المخصصة لها. كما أكدت الوزارة أن ولوج الوظيفة العمومية يظل متاحا لهم عبر مباريات التوظيف، على غرار باقي المواطنين.

وهنا تتشكل المفارقة الأولى:

الدولة تصف العلاقة بأنها غير قارة، بينما تطرح المؤسسة التشريعية حالات لأشخاص قضوا عقودا في العمل داخل المرفق العمومي.

فهل يحق لهم الإدماج تلقائيا؟ فالوزارة تجيب بالنفي.

ولكن هل ما زالت طبيعة العمل الذي يؤديه بعض هؤلاء العمال تنسجم مع فلسفة «العمل المؤقت» التي تستند إليها الحكومة في توصيف المنظومة؟

العامل والمرفق تابع لمن؟

فالعامل يوجد ضمن منظومة الإنعاش الوطني التابعة لوزارة الداخلية، لكن مكان عمله قد يكون تابعا لقطاع أو مؤسسة.

ففي اليوم نفسه الذي تقدمت فيه النائبة سكينة لحموش بسؤالها حول التسوية العامة، تقدمت أيضا بسؤال كتابي رقم 25360 حول «تسوية الوضعية الإدارية والاجتماعية لموظفي الإنعاش الوطني الملحقين بمحاكم المملكة»، ووجهته إلى وزارة العدل. وقد أجيب عن السؤال في 5 يناير 2026.

وفي سؤال آخر حمل الرقم 26498، تقدمت النائبة فاطمة الزهراء باتا، عن حزب العدالة والتنمية والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى وزير الداخلية بشأن أوضاع مستخدمي الإنعاش الوطني العاملين بمصلحة الحالة المدنية لدى بعض الجماعات المحلية. السؤال، الذي أجيب عنه في 23 يناير 2026، أشار إلى أداء هؤلاء لمهام مرتبطة بتسجيل الولادات والوفيات وتغييرات الحالة المدنية.

هذه الوثائق لا تسمح بالقول إن جميع عمال الإنعاش الوطني يعملون داخل مرافق دائمة، ولا تثبت في حد ذاتها وجود مخالفة قانونية. لكنها تكشف أن جزءا من المنظومة يوجد، وفق ما تطرحه المؤسسة التشريعية، داخل مرافق عمومية ذات نشاط مستمر.

إذا كان العامل تابعا للإنعاش الوطني، فمن يشرف فعليا على عمله اليومي داخل المرفق المستفيد؟

من يحدد مهامه؟ ومن يسجل حضوره؟ ومن يراقب أداءه؟ ومن يتحمل المسؤولية عن العمل الذي يؤديه؟

هذه الأسئلة هي التي تسمح بفهم العلاقة الحقيقية بين «العامل» و«المرفق».

منظومة داخل الدولة.. وليست مجرد ورش محلي

الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي أولا فهم طبيعة الجهاز نفسه. فمرسوم 2.19.1086 الصادر في 30 يناير 2020 بشأن تحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 6854 بتاريخ 6 فبراير 2020، يضع مديرية الإنعاش الوطني ضمن الإدارة المركزية لوزارة الداخلية.

والأكثر دلالة أن المادة 35 من المرسوم تسند إلى المديرية مهمة إعداد وتنفيذ سياسة الحكومة في ميدان الإنعاش الوطني، وإعداد برنامج سنوي يهدف إلى التقليص من البطالة على المستوى المحلي من خلال المساهمة في إنجاز البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والمشاريع ذات الصبغة الاجتماعية، مع إمكانية المساهمة في برامج أخرى حسب الظرفية. أي أن الإنعاش الوطني، بصيغته الحالية، ليس مجرد مبادرات محلية متفرقة.

إنه جهاز إداري مركزي داخل وزارة الداخلية، له مصالح مركزية ولا ممركزة، وبرامج سنوية، وآليات مالية للتنفيذ والتتبع.

بل إن وزارة الداخلية سبق أن أكدت أمام البرلمان أنها زودت تسيير قطاع الإنعاش الوطني بنظام معلوماتي لتفعيل ومتابعة برامجه، وأنه يخضع أيضا لمهام الفحص الداخلي بهدف عصرنة التدبير وتحسين الحكامة.

وهنا تظهر مسألة أخرى:

كلما اتسعت البنية الإدارية للمنظومة، أصبح من المشروع التساؤل عن حدودها ووظيفتها الحالية، لا عن أصل إنشائها فقط.

أجر له شبكة خاصة

قد يبدو الأجر، للوهلة الأولى، مجرد مبلغ مقابل أيام العمل. لكن الوثائق المالية تقول شيئاً آخر.

فالخزينة العامة للمملكة سجلت رسالة رقم 3485 بتاريخ 30 أبريل 2007 بعنوان «شبكة أجور عمال الإنعاش الوطني». وبعد أكثر من عقد، يسجل تقرير نشاط مديرية الميزانية لسنة 2019 أن مراجعة شبكة أجور عمال الإنعاش الوطني كانت من الملفات التي تمت دراستها والتأشير عليها بتاريخ 12 يوليوز 2019.

إذن، نحن أمام منظومة أجور لها مرجعية خاصة، وليست مجرد ترتيبات فردية بين عامل ومرفق محلي بشبكة أجور موثقة. فكيف إذا تتحول شبكة الأجور إلى المبلغ الذي يتقاضاه العامل فعلياً؟

الأيام.. الحلقة التي تربط العمل بالمال

في البيانات الإحصائية الرسمية التي تنشرها المندوبية السامية للتخطيط اعتمادا على معطيات مديريات الإنعاش الوطني، تظهر إلى جانب الأجور الموزعة مؤشرات تتعلق بأيام العمل الممنوحة والمستنفدة. أي أن «اليوم» ليس مجرد وحدة زمنية في حياة العامل؛ إنه عنصر يدخل في الدورة الإدارية والمالية للبرنامج.

لكن هنا أيضا يجب الفصل بين وجود نظام قائم على أيام العمل ثابت. أما القول بأن كل عامل يستفيد من عدد محدد وثابت من الأيام شهريا، فذلك يحتاج إلى النص الذي يحدد القاعدة. فمن بين الأرقام التي تكررت في بعض التقارير الصحفية والنزاعات المحلية رقم 22 يوما .

غير أن البحث لم يوفر حتى الآن النص الوطني الأصلي الذي يسمح بتعميم هذا الرقم على جميع عمال الإنعاش الوطني، كما أن بعض التقارير تخلط بين هذه الفئة وبين العمال العرضيين بالجماعات الترابية، رغم اختلاف الوضعيات القانونية.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس «هل هي 22 يوماً؟»، وإنما:

من يقرر عدد الأيام؟ ومن يراقبها؟ ومن يصادق عليها؟ وكيف تتحول قائمة الحضور إلى مبلغ مالي؟

مليارات الدراهم.. ولكن ليست كلها أجورا

الحساب الخصوصي للخزينة المعنون «تمويل نفقات التجهيز ومحاربة البطالة» يشكل الوعاء المالي الرئيسي المرتبط بالإنعاش الوطني. وتظهر وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن نفقات الحساب بلغت حوالي:

2.018 مليار درهم سنة 2022؛

2.001 مليار درهم سنة 2023؛

2.280 مليار درهم سنة 2024.

أما موارد الحساب سنة 2024 فبلغت حوالي 3.822 مليار درهم.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن 2.280 مليار درهم هي كتلة أجور العمال. فالنفقات تشمل برامج متعددة، بينها برامج التجهيز، وتنمية الأقاليم الجنوبية، والأوراش المنجزة لفائدة الجماعات الترابية، إضافة إلى نفقات مرتبطة بالمراقبة والتتبع.

وهذه نقطة أساسية في أي مساءلة مالية:

ميزانية البرنامج ليست هي كتلة الأجور.

أكثر من خمسة ملايين يوم عمل في سنة واحدة

في سنة 2024، تسجل وثائق الحساب الخصوصي للإنعاش الوطني 5,090,713 يوم عمل. الرقم لا يسمح، بمفرده، بحساب عدد العمال، لأن عدد الأيام لا يساوي عدد الأشخاص. لكنه يقدم مؤشرا قويا على حجم النشاط الذي تنتجه المنظومة خلال سنة واحدة.

وتظهر الوثائق نفسها أن أكثر من مليوني يوم عمل ارتبطت بالبرنامج الداعم لخلق فرص الشغل في الأقاليم الشمالية. وبذلك لا نتحدث عن برنامج محدود من حيث الحجم المالي أو النشاط السنوي. نحن أمام منظومة تدير ملايين أيام العمل، وتنفذ برامج بمليارات الدراهم، وتملك مديرية مركزية وشبكة أجور خاصة.

ومن هنا يعود السؤال إلى نقطة البداية:

هل ما زال حجم المنظومة ووظيفتها الحاليان يطابقان تماما صورة الورش المؤقت الذي أُحدث قبل 65 عاما لمحاربة البطالة؟

الحماية الاجتماعية ليست هي المشكلة كلها

من المجانب للصواب أن نقول إن عمال الإنعاش الوطني لا يتوفرون مطلقا على أي حماية اجتماعية. فالقانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل أدرج الأشخاص الذين يمارسون عملا في إطار الإنعاش الوطني ضمن الفئات المشمولة بأحكام التعويض عن حوادث الشغل.

كما تؤكد الحكومة، في خطابها الحالي حول تعميم الحماية الاجتماعية، استفادة هذه الفئة من الحماية الاجتماعية. لكن هنا يجب الفصل بين ثلاثة أشياء مختلفة: التغطية الصحية؛ التعويض عن حادثة شغل؛ والتقاعد. فامتلاك أحد هذه الحقوق لا يعني تلقائيا امتلاك الحقوق الأخرى. ولهذا يصبح السؤال الحقيقي:

ما هو النظام الذي يؤمن مستقبل العامل بعد سنوات العمل إذا كانت هذه السنوات لا تمنحه أقدمية في الوظيفة العمومية ولا تؤدي إلى إدماجه فيها؟

ستة عقود.. والأسئلة تتغير

منذ 1961 تغير المغرب كثيرا. تغيرت بنيته الاقتصادية، وتوسعت الإدارة العمومية، وظهرت مؤسسات جديدة، وتطورت قوانين الشغل والحماية الاجتماعية، وتغيرت طبيعة الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين.

أما الإنعاش الوطني، فقد استمر. وتغيرت معه طبيعة الأسئلة المطروحة حوله. ففي البداية كان السؤال:

كيف نواجه البطالة ونشغل اليد العاملة؟ ثم أصبح: كيف نحسن شروط العمل والأجر؟

واليوم تطرح أسئلة أخرى:

ما طبيعة العلاقة بين العامل والمرفق العمومي؟ كيف تُحتسب أيام العمل؟ من يراقب الأداء؟ ما مصير سنوات الخدمة؟ وما الحدود التي تفصل بين برنامج مؤقت ومنظومة يعتمد عليها المرفق العمومي في أداء خدمات مستمرة؟

السؤال الذي تركه «المؤقت» مفتوحا

الوثائق التي أمكن التحقق منها لا تقول إن الإنعاش الوطني أصبح، بحكم الواقع، «نظاما موازيا للوظيفة العمومية». لكنها تقول شيئا آخر أكثر أهمية:

منذ 1961، تطورت منظومة الإنعاش الوطني من جهاز أُحدث في سياق تاريخي خاص لمواجهة البطالة في العالم القروي، إلى جهاز إداري مركزي داخل وزارة الداخلية، له برامج سنوية، وشبكة أجور خاصة، وحساب مالي بمليارات الدراهم، وملايين أيام العمل.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة في أجوبتها البرلمانية الحديثة أن العاملين فيه لا يوجدون في وضعية نظامية قارة، وأن سنوات عملهم لا تمنحهم تلقائيا أقدمية تؤهلهم للإدماج في الوظيفة العمومية. وفي الوقت نفسه، تكشف أسئلة برلمانية حديثة عن وجود عمال من هذه المنظومة داخل محاكم المملكة ومصالح الحالة المدنية ومرافق عمومية أخرى.

وبين هذين المعطيين، تظهر المسافة التي تحتاج إلى إجابة:

إذا كان العامل مؤقتا، فما الحد الزمني الذي ينتهي عنده هذا المؤقت؟

وإذا كان الورش مؤقتا، فما تفسير استمرار العامل داخل مرفق يقدم الخدمة نفسها كل يوم؟

وإذا كان الأجر مرتبطا بأيام العمل، فمن يملك قرار احتساب هذه الأيام؟

وإذا كانت المنظومة تملك إدارة مركزية وشبكة أجور وحسابا ماليا وملايين أيام العمل، فهل ما زالت تؤدي الوظيفة نفسها التي أُنشئت من أجلها في 1961، أم أن وظائفها وأدوارها توسعت إلى درجة تستدعي إعادة تعريفها؟

إنها أسئلة عن منظومة ناهز عمرها 65 عاما، وعن مؤسسة استمرت في العمل بينما تغيرت الدولة التي أنشأتها. وربما يكون السؤال الأكثر اختصارا، والأكثر إلحاحا في السياق الراهن، هو:

متى يتوقف «المؤقت» عن كونه مؤقتا؟ وهل يطرح هذا المؤقت في برامج الأحزاب المقبلة على الانتخابات التشريعية في 23 من الشهر الجاري؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *