شعار جريدة البوصلة

الطاقة تحت ضغط الجغرافيا السياسية.. كيف يمكن أن تصل أزمة الخليج إلى الاقتصاد المغربي؟

اسعار النفط

عاد ملف الطاقة إلى الواجهة من جديد، مع تجدد التوتر العسكري في الشرق الأوسط وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها شحنات النفط والغاز في العالم.

فقد ارتفع صباح اليوم  الخميس 3 شتنبر 2026، سعر خام برنت إلى نحو 96 دولار للبرميل، مسجلا مكاسب لليوم الرابع على التوالي، وسط مخاوف من أن يستمر اضطراب الإمدادات في المنطقة.

بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد ارتفاع عابر في أسعار النفط. فالمملكة تعتمد بشكل كبير على الواردات لتغطية حاجياتها من الطاقة. وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة ووزارة التجارة الأميركية إلى أن الواردات تغطي نحو 90 في المائة من هذه الحاجيات، وهو ما يجعل الاقتصاد المغربي سريع التأثر بأي ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز أو بأي اضطراب يطال طرق الإمداد الدولية.

وعند هذه المعادلة تزداد أهمية مضيق هرمز. فهذا الممر ليس مجرد نقطة عبور إقليمية، بل أحد الشرايين الرئيسية لسوق الطاقة العالمي. ففي خضم تصاعد الأزمة، تتراجع حركة السفن العابرة للمضيق بشكل واضح. ووفق معطيات نشرتها رويترز، لم يتجاوز عدد سفن السلع التي عبرت المضيق يوم الأربعاء ست سفن، مقابل متوسط بلغ 13 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في مؤشر على استمرار المخاطر التي تواجه الملاحة في المنطقة.

من النفط العالمي إلى الاقتصاد المغربي

لا تنتقل آثار ارتفاع أسعار النفط إلى المستهلك المغربي بالسرعة نفسها أو بالشكل نفسه الذي تظهر به في الأسواق العالمية. لكن إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، فإن فاتورة الواردات الطاقية سترتفع، كما سترتفع كلفة النقل والخدمات اللوجستية والإنتاج الصناعي، وقد يظهر ذلك تدريجيا في أسعار عدد من السلع والخدمات.

المشكلة أن الطاقة لا ترتبط في المغرب بالنقل وحده. فهي تدخل في مختلف مراحل النشاط الاقتصادي، من الصناعة والفلاحة إلى النقل والخدمات وإنتاج الكهرباء. لذلك، فإن ارتفاع كلفتها لا يبقى محصورا في محطات الوقود، بل يمكن أن يتحول إلى ضغط على تكاليف الإنتاج والتضخم والميزان التجاري.

مع ذلك، من المهم التمييز بين ارتفاع سعر النفط في الأسواق العالمية وارتفاع أسعار المحروقات في المغرب. فالسعر الذي يدفعه المستهلك يتأثر أيضا بسعر صرف الدرهم، وتكاليف النقل والتخزين، والضرائب والرسوم، وهوامش التوزيع، إضافة إلى توقيت انتقال التغيرات العالمية إلى السوق المحلية. بمعنى آخر، فإن وصول سعر برنت إلى مستوى معين لا يعني تلقائيا أن سعر الغازوال أو البنزين في المغرب سيرتفع بالمقدار نفسه.

هرمز لا يعني النفط فقط

الأزمة لا تتعلق بالنفط وحده. فاضطراب الملاحة في الخليج يطال أيضا سوق الغاز الطبيعي المسال، وقد يؤدي إلى زيادة المنافسة الدولية على الشحنات المتاحة ورفع كلفة نقلها وتأمينها.

وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أضرارا لحقت بالبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في قطر، وهو ما دفعها إلى خفض توقعاتها بشأن نمو المعروض العالمي من الغاز وتأجيل جزء من الزيادة التي كانت منتظرة بين عامي 2026 و2030.

وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد على الاستيراد، لا تتوقف المشكلة عند سعر المادة الطاقية. فهناك أيضا مسألة ضمان وصولها في الوقت المناسب. وكلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، ارتفعت كلفة التأمين والشحن، واضطرت الشركات والدول إلى البحث عن موردين ومسارات بديلة. ما يعني أن الطاقة قد تصبح أكثر كلفة حتى من دون حدوث نقص فعلي في الكميات، فقط لأن الطريق إليها أصبح أكثر خطورة.

المغرب أمام اختبار تنويع مصادر الطاقة

تعيد الأزمة الحالية طرح سؤال قديم، لكنه أصبح أكثر إلحاحا: إلى أي حد يستطيع المغرب تقليص تعرض اقتصاده للصدمات الخارجية؟

خلال السنوات الماضية، استثمرت المملكة في الطاقة الشمسية والريحية، ووسعت قدراتها في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة. كما تعمل على تطوير منظومة للغاز الطبيعي المسال ومشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر. وتظهر التجارب الدولية أن تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد لم يعد خيارا مرتبطا بالمناخ فقط، بل أصبح جزءا من الأمن الاقتصادي والسيادي للدول.

فكل وحدة طاقة ينتجها المغرب محليا من الشمس أو الرياح يمكن أن تقلل، على المدى الطويل، الحاجة إلى شراء الوقود من الأسواق الدولية. لكن هذا التحول يحتاج بدوره إلى استثمارات كبيرة في شبكات الكهرباء، وقدرات التخزين، والنقل الكهربائي، والنجاعة الطاقية. فالاعتماد على الطاقة المتجددة لا ينجح بمجرد بناء محطات إنتاج جديدة، بل يتطلب شبكة قادرة على استيعاب الإنتاج وتوزيعه، خصوصا أن الشمس والرياح لا تنتجان بالطريقة نفسها طوال اليوم أو خلال فصول السنة.

الجغرافيا السياسية تعيد رسم خريطة الطاقة

تكشف الأزمة الحالية تحولا أوسع في سوق الطاقة العالمي. فالدول لم تعد تبحث فقط عن المورد الأرخص، بل أصبحت تبحث عن المورد الذي يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات أيضا.

ولهذا بدأ مستوردو الطاقة في إعادة ترتيب سلاسل الإمداد والبحث عن مصادر أكثر تنوعا، حتى لو كانت أبعد جغرافياً أو أعلى كلفة. فالاعتماد المفرط على ممر بحري واحد يمكن أن يحول أزمة إقليمية إلى مشكلة اقتصادية تمتد آثارها إلى العالم كله.

بالنسبة إلى المغرب، قد يتحول موقعه الجغرافي إلى عنصر قوة أكبر في هذه المرحلة. فالقرب من أوروبا، والربط الكهربائي مع إسبانيا، والإمكانات الكبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، إضافة إلى الموقع على المحيط الأطلسي، كلها عوامل يمكن أن تدعم استراتيجية تقوم على تنويع مصادر الطاقة وربطها بالتصنيع والاستثمار.

لكن الاستفادة من هذه المزايا تحتاج إلى تسريع المشاريع وتحسين البنية التحتية، حتى لا يبقى المغرب مجرد مستورد للطاقة، بل يتحول تدريجيا إلى منتج ومصدر لبعض أشكالها.

ماذا يعني ذلك للمغربي؟

في المدى القصير، لا يعني ارتفاع سعر برنت إلى نحو 96 دولارا أن أسعار المحروقات في المغرب سترتفع بالضرورة وبالنسبة نفسها. لكن استمرار الأزمة وارتفاع أسعار النفط والغاز لأسابيع أو أشهر قد يرفع كلفة الاستيراد والنقل والإنتاج، ويزيد الضغط على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

أما في المدى المتوسط، فيبقى سؤال إلى أي حد يستطيع المغرب تقليل تأثره بسعر النفط وتقلباته؟ فقد فرضت الجغرافيا السياسية معادلة جديدة على الدول المستوردة للطاقة: أمن الطاقة لم يعد يعني فقط توفير الكميات، بل ضمان الوصول إليها بأسعار يمكن تحملها، حتى عندما تتغير خريطة الصراعات والممرات التجارية.

وبالنسبة للمغرب، حسب مختصين، فإن “تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتنويع مصادر الغاز والوقود، وتطوير شبكات الكهرباء والتخزين، لن يمنع تأثير الأزمات العالمية بشكل كامل، لكنه قد يقلل كلفتها على الاقتصاد والمستهلك”.

 وحقيقة كون أزمة الخليج غير بعيدة عن المغرب، تذكر مرة أخرى بأن الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المستوردة يظل معرضا لتقلبات لا يتحكم فيها. كما تؤكد أن التحول الطاقي بالنسبة إلى المملكة لم يعد مرتبطا بحماية البيئة فقط، بل أصبح أيضا وسيلة لحماية الاقتصاد من صدمات الجغرافيا السياسية.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *