شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

هل تدير يومك… أم أن يومك هو الذي يديرك؟

مريد 2

في حياتنا، نلتقي كثيرًا بأشخاص يجيدون إدارة الآخرين، وإدارة المشاريع، وإدارة الفرق والمهام، فيبدون في أعين الناس نماذج للنجاح والكفاءة. لكن هناك سؤالًا واحدًا كفيلًا بأن يكشف حقيقة الأمر:

إذا كنت تستطيع إدارة الآخرين، فهل تستطيع إدارة نفسك؟

نعرف كيف نطلب الالتزام من غيرنا، لكن هل نلتزم نحن؟ نعرف قيمة الوقت حين نتحدث عنه، لكن هل نُحسن استثماره حين نعيشه؟ نضع الخطط بإتقان، لكن هل نملك القدرة على تنفيذها والاستمرار فيها حتى النهاية؟

هنا بالضبط تبدأ واحدة من أهم ركائز الجودة الشخصية، وأكثرها صعوبة في آنٍ واحد:

أتذكر موقفًا جعلني أعيد النظر في علاقتي بالوقت من جذورها.

كانت أمامي مجموعة من المهام والالتزامات، وكنت أؤجل بعضها من يوم إلى آخر بحجة الانشغال. أبدأ يومي بالرسائل والمكالمات، ثم أنتقل من مهمة إلى أخرى دون توقف، وأصل إلى نهاية اليوم مُنهكًا، وقد أنجزت كل شيء تقريبًا… إلا الأمر الذي كنت أعتبره الأهم.

في تلك اللحظة سألت نفسي سؤالًا لم يفارقني منذ ذلك اليوم:

هل أنا مشغول فعلًا… أم أنني لا أُحسن إدارة وقتي ونفسي كما ينبغي؟

كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه كشف لي حقيقة عميقة: المشكلة لم تكن يومًا في قلة الوقت، وإنما في طريقة التعامل معه. ومنذ ذلك الموقف، أصبحت أكثر انتباهًا إلى الفرق الدقيق بين الانشغال والإنجاز؛ فالانشغال ضجيج، والإنجاز أثر.

المعرفة لا تكفي

من خلال الدورات التدريبية التي قدمتها، والاستشارات التي أشرفت عليها، لاحظت أن كثيرًا من الناس يعرفون تمامًا ما ينبغي عليهم فعله، لكن المعرفة وحدها لا تتحول تلقائيًا إلى سلوك.

نعرف أن علينا الرد على رسالة مهمة، فنقول: «سأفعل ذلك لاحقًا». نعرف أن لدينا تقريرًا يحتاج إلى تركيز، فنؤجله حتى يقترب موعد التسليم. نعرف أن لدينا موعدًا، لكننا نبدأ الاستعداد في اللحظة الأخيرة، ثم نُحمّل ازدحام الطريق مسؤولية تأخيرنا.

وفي أحيان كثيرة نقول: «لم يكن لدي وقت»، بينما الحقيقة أن الوقت كان موجودًا بالفعل، لكنه توزّع على أشياء أقل أهمية سرقت منا ما هو أثمن.

وهنا بالضبط تكمن إدارة الذات: أن تُحوّل معرفتك بما يجب فعله إلى فعلٍ حقيقي، في الوقت المناسب، لا حين يضيق الخناق.

من يراقبك حين لا يراقبك أحد؟

هناك أشخاص لا يبدأون العمل إلا حين يُطلب منهم، ولا ينجزون إلا حين يقترب الموعد النهائي وتضيق الخيارات. أما إدارة الذات، فهي المقياس الحقيقي الذي يظهر تحديدًا حين لا يكون هناك من يتابعك أو يحاسبك.

موظف لديه تقرير يمكنه إنجازه تدريجيًا خلال أسبوع كامل، لكنه يؤجله إلى آخر مساء، فيتحول عمل كان يمكن إنجازه بهدوء إلى ليلة من الضغط والتوتر.

وشخص لديه معاملة بسيطة يمكنه إنهاؤها اليوم، لكنه يؤجلها أسبوعًا بعد أسبوع، حتى تتضخم في ذهنه وتصبح أكبر من حجمها الحقيقي.

والمشكلة في هذه الحالات لا تكمن غالبًا في حجم المهمة نفسها، بل في التأجيل الذي يمنحها ثقلًا لم تكن تملكه.

بين التدريب والاستشارة… اكتشفت أهمية الاستمرار

في كثير من الدورات التدريبية، رأيت حماسًا كبيرًا يتّقد في عيون المشاركين لحظة اكتشافهم لفكرة جديدة تُلامس واقعهم. وفي الاستشارات، كنت أجد أحيانًا أن الحل واضح، والخطوات معروفة، والطريق مرسوم بدقة.

لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند اكتشاف الفكرة، بل بعدها مباشرة:

هل سنُطبّق ما عرفناه حين ينطفئ الحماس؟

هذه النقطة أصبحت بالنسبة لي جوهرية أكثر من أي شيء آخر. فالحماس قد يدفع الإنسان إلى كتابة أهدافه بخط جميل ونية صادقة، لكنه لا يضمن له الاستمرار. قد تبدأ مشروعًا بحماسٍ لا يُضاهى، ثم تصطدم بعد أسابيع بضغط العمل، أو التعب، أو عقبة لم تكن في الحسبان.

هنا يظهر دور إدارة الذات: أن تستمر رغم كل ذلك، أو تُعدّل خطتك، أو تُعيد ترتيب أولوياتك، بدلًا من أن تتخلى عن الهدف عند أول عثرة.

فالحماس يشعل البداية، أما الانضباط فهو من يحفظ لك الطريق حتى النهاية.

هل أنت مشغول أم منتج؟

قد يمضي يوم كامل بين المكالمات والاجتماعات والرسائل، ونصل إلى المساء ونحن نشعر أننا بذلنا جهدًا استثنائيًا. لكن سؤالًا واحدًا كفيل بأن يكشف الحقيقة كاملة:

ماذا أنجزت اليوم؟

ليس كل ما هو عاجل مهمًا بالضرورة، وليس كل ما يطلب انتباهنا يستحقه فعلًا. وأحيانًا يكون أفضل قرار في يوم مزدحم أن نُغلق الهاتف لبعض الوقت، وننهي المهمة الجوهرية أولًا، ثم نعود إلى بقية الأمور بذهن أهدأ وقلب أخف.

فإدارة الذات، في جوهرها، تعني أن نعرف أين نضع انتباهنا؛ لأن الوقت الذي نملكه محدود بطبيعته، لكن الأشياء التي تطلبه منا بلا حدود.

إدارة الذات ليست قسوة على النفس

إدارة الذات لا تعني أبدًا أن نضغط على أنفسنا طوال الوقت، أو أن نعيش في حالة توتر دائم بحثًا عن الكمال.

قد يمر يوم لا تسير فيه الأمور كما خططنا. قد نتأخر، أو نُخطئ، أو نفشل في إنجاز مهمة كنا نعوّل عليها. المهم، حقًا، ألا نُحوّل التعثر إلى استسلام.

فبدلًا من أن نقول: «ضاع اليوم»، يمكن أن نسأل: ما الذي ما زال بإمكاني إنجازه الآن؟

وبدلًا من أن نعتبر الخطة التي تعثرت نهاية الطريق، يمكن أن نراجعها بهدوء ونُعدّلها لتناسب الواقع الجديد.

فالجودة الشخصية لا تعني الكمال أبدًا، وإنما تعني القدرة على المراجعة والتعلم والتحسين المستمر، مهما تعثرنا في المسير.

ابدأ … ولكن بطريقة مختلفة

قد لا نحتاج إلى تغيير حياتنا بالكامل حتى نبدأ في إدارة أنفسنا؛ فالتحول الحقيقي غالبًا ما يبدأ بخطوات صغيرة ومتكررة، لا بقرار واحد كبير.

يكفي أن نختار في بداية اليوم أهم مهمة، ونمنحها وقتًا حقيقيًا لا فتات وقت. أن نكتب ما نريد إنجازه بدلًا من الاعتماد على الذاكرة المثقلة. أن نتوقف عن تقديم وعود نعرف في قرارة أنفسنا أننا لن نستطيع الوفاء بها. أن نضع للهاتف حدودًا واضحة حين نحتاج إلى التركيز الحقيقي.

وأن نُختم كل يوم بسؤال واحد نُراجع فيه أنفسنا بصدق:

هل استخدمت يومي كما أردت، أم سمحت له بأن يستخدمَني؟

قد لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث من حولنا، لكننا نملك دائمًا القدرة على التحكم في الطريقة التي نستجيب بها. وهذه هي الفكرة التي أزددت إيمانًا بها كلما تقدمت بي التجربة:

إدارة الذات ليست أن تُسيطر على كل شيء، بل أن تحافظ على قدرتك على اختيار ما يستحق وقتك وجهدك وانتباهك.

فالإنسان الذي يتعلم كيف يقود نفسه، يصبح أكثر قدرة على قيادة عمله، وبناء علاقاته، والوفاء بالتزاماته، وتحويل أهدافه من مجرد أفكار عابرة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وفي النهاية، لا تُبنى الجودة الشخصية بقرار واحد كبير يُغيّر كل شيء بين ليلة وضحاها، وإنما بعادات صغيرة نُكررها بصبر حتى تصبح جزءًا أصيلًا منا.

أن تحترم موعدك. أن تُنجز ما وعدت به. أن تبدأ قبل أن يضغطك الوقت. أن تتعلم من خطئك بدل أن تُكرره. وأن تستمر حتى حين ينتهي الحماس ويبقى الالتزام وحده.

من هنا، بالضبط، تبدأ القيادة الحقيقية:

أن تقود نفسك أولًا، قبل أن تطلب من الآخرين أن يتبعوك.

د. مريد الكلّاب خبير الجودة الشخصية

الكاتب

One thought on “هل تدير يومك… أم أن يومك هو الذي يديرك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *