شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

الماء في مواجهة البرامج الانتخابية.. هل تغيرت طريقة تفكير المغرب في الندرة؟

الماء

عاد ملف الماء إلى واجهة النقاش المغربي من بوابة المناخ والانتخابات معا. فبعد سنوات من الجفاف والإجهاد المائي، يجد المغرب نفسه أمام سؤال يتجاوز كمية التساقطات: كيف يمكن تدبير اقتصاد وبلاد ومجالات عمرانية وفلاحية في مناخ أصبحت فيه الندرة جزءا من المعادلة؟

المعطى المناخي العالمي يضيف ضغطا جديدا إلى هذا السؤال. فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن أغسطس 2026 كان الأكثر حرارة على الإطلاق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تواتر موجات الحرارة والظواهر المناخية القصوى. كما حذرت المنظمة من أن ظاهرة “إل نينيو” قد تزيد احتمالات موجات الحرارة والجفاف والأمطار الغزيرة في مناطق مختلفة من العالم.

لكن من الخطأ تحويل هذه المعطيات مباشرة إلى توقع بجفاف جديد في المغرب. فالمندوبية العامة للأرصاد الجوية سبق أن نبهت إلى أن تطورات “إل نينيو” لا تعني تلقائيا توقع جفاف أو موجة حر في المغرب، لأن مناخ المملكة يتأثر أيضا بأنظمة جوية ومحيطية وإقليمية أخرى.

المشكلة المغربية أعمق من توقع موسم مطري بعينه. فسنوات الجفاف المتتالية كشفت هشاشة الاعتماد الكبير على الموارد التقليدية، ودفعت الدولة إلى تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، والسدود، ونقل المياه بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة.

وفي هذا السياق، أكد نزار بركة، وزير التجهيز والماء، في تصريحات رسمية سابقة، أن المغرب يتجه نحو تنويع مصادر التزويد بالماء، معتبرا أن تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة ونقل المياه بين الأحواض أصبحت ركائز أساسية للأمن المائي الوطني. كما شدد على أن مواجهة الإجهاد المائي لا يمكن أن تقوم على تعبئة الموارد وحدها، بل تتطلب أيضا ترشيد الطلب ومحاربة الهدر.

هذه المشاريع أصبحت جزءا أساسيا من الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا سياسيا واقتصاديا لا يمكن تجاوزه: هل يكفي إنتاج المزيد من المياه لمعالجة أزمة الماء؟

ازمة الماء

ويرى خبراء في تدبير الموارد المائية أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بتوفير العرض، بل بإعادة تنظيم الاستهلاك، خصوصا في القطاع الفلاحي الذي يظل من أكبر مستهلكي المياه. وفي هذا الإطار، حذر خبراء من أن استمرار التوسع في الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع للماء، من دون ربطها بقدرة الأحواض والفرشات المائية، قد يحد من أثر الاستثمارات الكبرى في التحلية والسدود.

كما يشير خبراء في الاقتصاد والبيئة إلى أن كلفة إنتاج المياه، ولا سيما المياه المحلاة، ستفرض نقاشا أكثر وضوحا حول تسعيرة الماء، ودعم الفئات الهشة، وتوزيع الأعباء بين الدولة والقطاعات الاقتصادية والمستهلكين. فالماء المحلى يحتاج إلى كميات مهمة من الطاقة، ما يجعل الأمن المائي مرتبطا بشكل متزايد بالأمن الطاقي وبالانتقال نحو مصادر أقل كلفة وانبعاثا.

المشكلة ترتبط أيضا بما يحدث قبل وصول الماء إلى الصنبور. فهناك استهلاك المدن، وحاجات الفلاحة، واستنزاف المياه الجوفية، ومردودية شبكات التوزيع، وكلفة التحلية والطاقة، ثم قدرة الدولة والمجتمع على تغيير أنماط الاستهلاك.

ولهذا يصبح الماء ملفا انتخابيا بامتياز. فالأحزاب التي تعد بمزيد من الاستثمار في التحلية والسدود أو بتوسيع شبكات الري تقدم جزءا من الحل، لكنها مطالبة أيضا بتوضيح كيفية حماية الموارد الموجودة، ومن سيتحمل كلفة إنتاج المياه، وكيف ستتم الموازنة بين حاجات المدن والفلاحة والصناعة والبيئة.

ويؤكد مسؤولون حكوميون أن المرحلة المقبلة ستتطلب الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى التخطيط المائي طويل الأمد، عبر تحسين مردودية الشبكات، وتشديد مراقبة الاستغلال غير القانوني للمياه الجوفية، وربط المشاريع الجديدة بقدرة المجالات الترابية على تحمل الضغط المائي.

المفارقة أن تحسن الوضع المائي بعد التساقطات التي عرفها المغرب خلال الموسم الماضي يمكن أن يخلق شعورا مضللا بأن الأزمة انتهت. غير أن ارتفاع المخزون لا يعني انتهاء مشكلة الندرة، كما أن سنة مطيرة لا تلغي آثار سنوات الجفاف ولا تغير الاتجاهات المناخية بعيدة المدى.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للبرامج الانتخابية: هل تنظر إلى الماء باعتباره ورشا للبنية التحتية فقط، أم باعتباره قضية لإعادة تنظيم الاقتصاد وأنماط الإنتاج والاستهلاك؟

المغرب يملك اليوم مشاريع كبرى لتأمين الماء، لكنه يحتاج أيضا إلى سياسة واضحة لتدبير الطلب عليه. وبين بناء منشأة جديدة وتقليل الهدر وحماية الفرشة المائية وترشيد الاستعمال، تتحدد قدرة البلاد على الانتقال من إدارة أزمة مائية إلى بناء أمن مائي مستدام.

وفي المحصلة، لا يبدو أن السؤال الانتخابي المقبل سيكون فقط: كم سدا ومحطة تحلية وشبكة جديدة ستُنجز؟ بل سيكون أيضا: كيف سيُدار الماء المتاح، ومن سيحصل عليه، وبأي كلفة، وتحت أي قواعد تضمن العدالة بين الجهات والقطاعات والأجيال؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *