شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

المنتجات المغربية في قلب السجال الإسباني.. دعوات للمقاطعة وتجارة مستمرة

صورة

دخلت المنتجات المغربية خلال الأيام الأخيرة دائرة السجال الدائر في إسبانيا على خلفية أزمة سبتة، بعدما ظهرت دعوات إلى تجنب شراء السلع ذات المنشأ المغربي، بالتوازي مع حملات رقمية لتحديد هذه المنتجات داخل المتاجر.

غير أن المعطيات المتوفرة لا تشير إلى قرار رسمي إسباني بمقاطعة المنتجات المغربية، ولا إلى حملة وطنية موحدة تقودها الحكومة أو كبرى جمعيات المستهلكين. الموجود حاليا هو مجموعة من المبادرات والدعوات ذات طبيعة جمعوية ورقمية، في مقابل استمرار الإطار التجاري الرسمي الذي ينظم المبادلات بين البلدين.

دعوات للمقاطعة.. من يقودها؟

في 8 شتنبر، دعت جمعية حماية المستهلكين والمستخدمين في فالدمورو (ACUSVAL) المستهلكين إلى تجنب شراء المنتجات ذات المنشأ المغربي، معتبرة أن ذلك يمكن أن يشكل وسيلة سلمية وقانونية للتعبير عن رفض ما تصفه بالضغط المغربي على إسبانيا، وربطت الدعوة بشكل مباشر بالتطورات التي عرفتها سبتة.

وترافقت هذه الدعوة مع حملات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، من بينها وسم #BOICOTMarruecos، ومبادرات رقمية تهدف إلى مساعدة المستهلكين على التعرف على المنتجات المرتبطة بالمغرب.

ومن بين هذه المبادرات موقع “Origen Marruecos”، الذي يقدم قاعدة بيانات لمنتجات يصفها بأنها ذات أصل مغربي، ويتيح للمستخدمين التحقق من مصدر بعض السلع. ويؤكد الموقع نفسه أنه يعتمد، في تصنيفه، على بيانات منشورة من المتاجر أو الشركات أو على صور للمنتجات والملصقات، ويفرق بين المعطيات الموثقة والمؤشرات التي تحتاج إلى تحقق إضافي.

لكن صحيفة AgroCLM الإسبانية أشارت إلى ضرورة التمييز بين هذه الحملات والمقاطعة الوطنية المنظمة، مؤكدة أنه لا توجد، حتى الآن، حملة وطنية تحظى بدعم موحد من كبرى جمعيات المستهلكين الإسبانية.

FACUA ترفض المقاطعة

في الاتجاه المقابل، انتقدت منظمة FACUA-Consumidores en Acción الدعوات إلى مقاطعة المنتجات المغربية.

وقال الأمين العام للمنظمة، روبن سانشيز، في 14 شتنبر، إن الدعوات إلى مقاطعة المنتجات المغربية تحمل، بحسب تعبيره، دلالات عنصرية وتتجاهل جذور النقاش المتعلق بالهجرة. وجاء موقفه في سياق حديثه عن إطلاق تطبيق يستهدف تحديد المنتجات المغربية والدعوة إلى مقاطعتها.

فالساحة الاسبانية لا تبدو موحدة في التعامل مع الدعوات إلى المقاطعة، إذ تقابلها مواقف من جمعيات استهلاكية ترفض هذا الخيار، إلى جانب مبادرات أخرى تدفع في الاتجاه المعاكس.

ماذا تقول الأرقام الرسمية عن حضور المغرب في السوق الإسبانية؟

بعيدا عن الحملات الرقمية، تظهر بيانات وزارة الزراعة والصيد البحري والغذاء الإسبانية الوزن الذي تمثله الواردات من الدول خارج الاتحاد الأوروبي في سوق الخضر والفواكه الإسبانية.

ووفقا للوزارة، بلغت حصة دول خارج الاتحاد الأوروبي 44.5% من إجمالي حجم واردات إسبانيا من الفواكه والخضر سنة 2024، فيما ارتفعت الحصة من حيث القيمة إلى 61%. وتضع الوزارة المغرب ضمن أبرز الموردين إلى السوق الإسبانية إلى جانب الولايات المتحدة والبيرو.

وتظهر البيانات الثنائية التي أعدتها الوزارة الإسبانية أن المغرب يحتل حصصا مرتفعة في عدد من المنتجات. ففي 2024، شكلت الواردات المغربية 59% من واردات إسبانيا من فئة الفواكه الحمراء والكيوي والكاكي، و84% من واردات البقوليات الطازجة أو المبردة، و45% من واردات الخضر الطازجة الأخرى.

منتجات مغربية

المواقف المنتقدة للواردات المغربية ليست جديدة بالكامل على المشهد الزراعي الإسباني. فقد ظلت منظمات مهنية إسبانية تثير، منذ سنوات، قضايا مرتبطة بالمنافسة وقواعد المنشأ والأسعار وآليات دخول المنتجات القادمة من الدول الثالثة إلى السوق الأوروبية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الاحتجاج المهني على شروط المنافسة وبين المقاطعة السياسية للمنتجات. فالأول مرتبط بمطالب قطاعية تتعلق بالقواعد التجارية والزراعية، بينما ظهرت الدعوات الحالية للمقاطعة في سياق سياسي مختلف ارتبط بأزمة سبتة.

وتؤكد وزارة الزراعة الإسبانية أن واردات الفواكه والخضر من الدول الثالثة تخضع لمنظومة تنظيمية أوروبية تشمل آليات وقواعد خاصة بالسوق، في إطار التنظيم الأوروبي المشترك للمنتجات الزراعية.

الرباط تربط السجال بالسياق السياسي الإسباني

التصعيد حول المنتجات المغربية جاء بالتزامن مع استمرار الجدل السياسي في إسبانيا بشأن أحداث سبتة.

ففي 10 شتنبر، ردت وزارة الخارجية المغربية على الاتهامات الموجهة إلى الرباط بشأن الأحداث التي عرفتها المدينة، مؤكدة أنه لا توجد، بحسب موقفها، معطيات أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية في دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة.

كما انتقدت الوزارة ما وصفته باستغلال بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية للمغرب في أجندات داخلية، وقالت إن المملكة ترفض أن تتحول إلى “شماعة” في الحسابات السياسية الإسبانية.

في المقابل، تركز الحكومة الإسبانية في مواقفها الرسمية بشأن أزمة سبتة على مراقبة الحدود وإعادة الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير نظامي، وعلى التعاون الدبلوماسي مع المغرب، إلى جانب مكافحة التضليل الإعلامي المرتبط بالأزمة.

لا قرار حكوميا بالمقاطعة حتى الآن

ضمن المعطيات الرسمية المتاحة، لا يظهر قرار صادر عن الحكومة الإسبانية يدعو إلى مقاطعة المنتجات المغربية أو يوقف استيرادها. كما لا تظهر في البيانات الرسمية لوزارة الزراعة الإسبانية إجراءات استثنائية جديدة تستهدف الواردات المغربية بسبب أزمة سبتة.

وفي المقابل، فإن استمرار تدفق المنتجات المغربية إلى السوق الإسبانية تؤكده البيانات الرسمية نفسها، بما فيها ارتفاع واردات عدد من الخضر المغربية خلال موسم 2024-2025.

أما المبادرات التي ظهرت خلال شتنبر، فتظل في نطاق الحملات الجمعوية والرقمية والاختيارات الفردية للمستهلكين، ما لم تنتقل لاحقا إلى قرارات من سلاسل التوزيع أو إجراءات حكومية أو أوروبية.

بين المقاطعة والسوق.. أين تتجه العلاقة؟

المؤشرات المتوفرة حاليا ترسم مشهدا مزدوجا: تصاعد في بعض الدعوات الإسبانية إلى مقاطعة المنتجات المغربية على خلفية أزمة سياسية، مقابل استمرار المبادلات الزراعية والتجارية في إطار القواعد الأوروبية المعمول بها.

ولا توجد، حتى الآن، بيانات رسمية تثبت أن هذه الحملات أحدثت تراجعا واسعا في واردات المنتجات المغربية. لذلك، فإن قياس أثر المقاطعة، إن استمرت، سيحتاج إلى متابعة بيانات الاستيراد والمبيعات وقرارات شركات التوزيع خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وفي انتظار ذلك، يبقى الملف مرتبطا بثلاثة مسارات متوازية: أزمة سبتة، والمنافسة الزراعية بين المنتجين الإسبان والمغاربة، واستمرار المصالح التجارية التي تجمع السوقين.

والتطور الأهم الذي ستكشفه المرحلة المقبلة لن يكون فقط اتساع الحملات على شبكات التواصل، بل ما إذا كانت ستنتقل إلى مستوى أكثر تأثيرا، سواء عبر المستهلكين وسلاسل التوزيع أو عبر الضغط على الحكومة الإسبانية والمؤسسات الأوروبية لتغيير قواعد التعامل التجاري مع المنتجات المغربية.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *