شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

الإعلام الرقمي وتطور النقاش العام

med1 انتقال النقاش العام في المغرب من التلقين التلفزيوني الكلاسيكي إلى رحابة الفضاء الرقمي والبرلمان الفعلي.

أرقام تعكس انتقال “الطاولة المفتوحة” إلى الويب

لسنوات طويلة، ظل النقاش العام في المغرب حكراً على استوديوهات التلفزيون التقليدية، حيث تُحدد المواضيع وتُنتقى الأصوات وفق مساحات زمنية ضيقة لا تتسع دائماً لنبض الشارع. لكن مع التطور المتسارع للرقمنة، نشهد اليوم زلزالاً هادئاً يعيد تشكيل مفهوم “الفضاء العام”. هذا التحول ليس مجرد انطباع، بل تؤكده لغة الأرقام؛ فمع تجاوز نسبة انتشار الإنترنت في المغرب حاجز الـ 92%، بات الويب هو “البرلمان الفعلي” الذي تُطرح فيه القضايا الكبرى.

كسر احتكار الكلمة بـ 40 مليون اشتراك

لم يعد المواطن مجرد متلقٍ سلبي يكتفي بمشاهدة نشرات الأخبار. تشير أحدث بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) إلى تسجيل قرابة 39.9 مليون اشتراك في الإنترنت في المغرب، مع متوسط استهلاك يبلغ 40 جيغابايت شهرياً لكل مشترك. هذا الاستهلاك الضخم للبيانات يعني أن المغاربة يقضون وقتاً غير مسبوق في استهلاك وإنتاج المحتوى الرقمي.

لقد وفرت المنصات الرقمية بديلاً حقيقياً يتمثل في برامج البودكاست والبرامج الحوارية التفاعلية. لم يعد إنتاج برنامج مؤثر يتطلب ميزانيات ضخمة، بل يكفي اليوم تصميم هوية بصرية بسيطة —ميكروفونات وطاولة مستديرة— للوصول إلى قاعدة جماهيرية تتجاوز بكثير ما تحققه بعض القنوات التقليدية.

“طاولة مفتوحة” للمجتمع المدني

من أبرز تجليات هذا التطور هو صعود صيغة “المائدة المستديرة” الرقمية كبديل ديمقراطي للنقاش. في ظل وجود أكثر من 35 مليون مشترك في الإنترنت المتنقل (Mobile Internet)، أصبح من السهل تنظيم حلقات نقاشية تبث مباشرة على هواتف المغاربة، وتستضيف لوحات متعددة الضيوف (كاستضافة خمسة فاعلين من المجتمع المدني في حلقة واحدة)، لتفكيك قضايا حيوية تهم المواطن مباشرة.

هذا النمط من البرامج الرقمية أثبت فعاليته في مقاربة مواضيع حساسة وراهنة، مثل:

  • تحليل القوانين والتشريعات بعيداً عن لغة الخشب.
  • مناقشة تحديات المشاركة الانتخابية وسبل تحفيز الناخبين.
  • طرح قضايا العدالة الاجتماعية وتحديات الطبقة الشغيلة والنقابات.

تحديات الخوارزميات وصناعة الوعي

رغم هذا الهامش الواسع من الحرية والولوجية العالية (حيث تشير التقارير إلى أن أكثر من ثلثي مستخدمي الإنترنت في المغرب ينشطون على منصات التواصل الاجتماعي)، يواجه النقاش العام الرقمي تحدياً خطيراً يتمثل في “ديكتاتورية الخوارزميات”. فالمنصات الكبرى تميل إلى مكافأة المحتوى المثير والسريع على حساب التحليل الرصين.

هنا يبرز دور الصحافة المستقلة والمبادرات الإعلامية الجادة في الحفاظ على بوصلة الوعي، من خلال تقديم محتوى يحترم ذكاء القارئ والمشاهد، ويوازن بين جاذبية العناوين وعمق المضمون.

في النهاية، لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح البرلمان الحقيقي للمجتمع. وكل طاولة نقاش تُفتح اليوم على الويب، هي لبنة جديدة في بناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *