أنوار يكتب: حرب بلا جنود وموظف لا ينام… هل الإدارة المغربية مستعدة لعصر الوكلاء الخوارزميين؟
بقلم أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
لم يعد الهجوم السيبراني يحتاج إلى غرف مظلمة تعج بالمخترقين، يكفي اليوم مشغّل واحد يدير عددا من وكلاء الذكاء الاصطناعي يعملون في الوقت نفسه بلا توقف، هذا ما يكشفه تقرير باحثي شركة CrowdStrike عن حملة نسبوها إلى قراصنة صينيين، استخدم هؤلاء إطار ARTEX AI، وهو أداة لاختبار الاختراق مبنية على تعدد الوكلاء، لاستهداف أكثر من مئتي مؤسسة في أربع عشرة دولة ابتداء من السابع عشر من أكتوبر. د، وشملت الأهداف وزارات حكومية وشركات اتصالات ومؤسسات في قطاعات الأدوية وأشباه الموصلات والمال، وبحسب الباحثين، نجح المهاجمون في اختراق تسع مؤسسات على الأقل، واستعانوا بنموذج DeepSeek ونموذج لغوي تجاري آخر لتنسيق عمل الوكلاء، وتولت الآلة الاستطلاع واستغلال الثغرات وسرقة بيانات الدخول، ولم يتدخل العنصر البشري إلا عند القرارات الحاسمة، وقدّر الباحثون أن عملية اختراق واحدة استهلكت أكثر من مليار وأربعمائة مليون رمز إدخال، ودلالة هذا الرقم واضحة، آلة تقرأ وتحلل وتجرب بوتيرة لا يقدر عليها أي فريق بشري.
تكمن خطورة هذا التحول في أنه يقلب معادلة الزمن التي قامت عليها العقيدة الدفاعية التقليدية، فالمسافة الزمنية بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، وهي المسافة التي كانت تمنح فرق الحماية فرصة للتدخل، تكاد تتلاشى حين يتولى وكلاء مستقلون مسح الشبكات وتوليد سيناريوهات الاختراق وتنفيذها بالتوازي، وهنا يتضح أن أدوات صُممت في الأصل لمساعدة خبراء الأمن على اكتشاف مكامن الخلل والضعف تتحول بسهولة إلى مضاعِف للقوة الهجومية من حيث السرعة والحجم والدقة، فالهجوم لم يعد حدثا معزولا يمكن رصده ثم احتواؤه، لقد صار تدفقا متواصلا من المحاولات المتكيفة التي تتعلم من كل إخفاق وتعدل مسارها في ثوان، وفي بيئة كهذه، يصبح الاعتماد على الرصد اليدوي والاستجابة البطيئة رهانا خاسرا قبل أن يبدأ.
ولا تبدو الإدارة العمومية المغربية بمنأى عن هذه الموجة، فبالرغم من أنها قطعت أشواطا مهمة في رقمنة الخدمات وتعميم المنصات الإلكترونية وربط قواعد المعطيات بين القطاعات، في إطار استراتيجية المغرب الرقمي 2030 ومسار إصلاح الإدارة، غير أن كل خدمة ترقمن تفتح منفذا جديدا يجب تأمينه، وما يزال جزء واسع من الموارد البشرية المكلفة بتدبير هذه الأنظمة يفتقر إلى التكوين التخصصي، ولا يدرك حجم التهديد الذي تمثله أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيل AI Agent، وقد شكل تسريب معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في أبريل 2025 جرس إنذار قويا، فالثغرة لا تكون تقنية فقط، بل قد تكون ثقافية وتنظيمية أيضا، كلمة مرور ضعيفة، أو صلاحيات ممنوحة بلا ضوابط، أو موظف لا يميز رسالة تصيد متقنة صاغها نموذج لغوي بلغة إدارية مقنعة، وإذا كانت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات والقانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني قد وفّرا إطارا مؤسساتيا وتشريعيا مهما، فإن فعالية هذا الإطار تبقى رهينة بكفاءة من ينزّله على أرض الواقع داخل كل إدارة وجماعة ومصلحة خارجية لاممركزة، من هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لفلسفة التوظيف في الوظيفة العمومية، لم يعد مقبولا أن تظل المباريات الإدارية حبيسة تخصصات تقليدية، بينما تواجه الإدارة تهديدات تقودها خوارزميات ذاتية التعلم، والمطلوب من المؤسسات المكلفة بتدبير الموارد البشرية، وفي مقدمتها القطاع الوصي على إصلاح الإدارة، أن تضع تخصصات المستقبل الذكي في قلب أي دينامية إصلاحية، ويشمل ذلك مهندسي الأمن السيبراني، ومحللي التهديدات، وخبراء حكامة الذكاء الاصطناعي، ومختصي الاستجابة للحوادث، ومهندسي البيانات، ومسؤولي حماية المعطيات… ويقتضي هذا التحول إحداث مناصب مالية مخصصة لهذه الكفاءات، وتحفيزات قادرة على منافسة جاذبية القطاع الخاص والهجرة نحو الخارج، وشراكات مع الجامعات ومدارس المهندسين لبناء مسارات تكوين موجهة لحاجيات الإدارة، فالكفاءة النادرة التي لا تجد في الوظيفة العمومية أفقا مهنيا واضحا ستبحث عنه في مكان آخر، وتترك وراءها أنظمة حساسة بلا حراس، غير أن التوظيف وحده لا يكفي إذا لم يرافقه تأهيل شامل للرصيد البشري القائم، فالأمن السيبراني ثقافة مؤسساتية قبل أن يكون مصلحة تقنية معزولة في آخر الممر، ولذلك ينبغي إدماج التكوين المستمر في الوعي الرقمي ضمن مسار الترقي المهني لكل موظف، من عون الاستقبال إلى رئيس القسم، كما يتعين اعتماد مقاربة الثقة المعدومة في تدبير الولوج إلى الأنظمة، وتعميم المصادقة متعددة العوامل، وتقسيم الصلاحيات وفق مبدأ الحد الأدنى من الامتيازات، ويبقى الأهم أن تواجَه الآلة بالآلة عبر إحداث مراكز عمليات أمنية تعتمد بدورها على وكلاء ذكاء اصطناعي دفاعيين، قادرين على رصد السلوكيات الشاذة وعزل الأجهزة المخترقة والتصدي للهجوم بالسرعة نفسها التي يتحرك بها، فالمدافع الذي يستجيب في ساعات أمام مهاجم يتحرك في ثوان قد خسر المعركة سلفا.
إن الرهان في نهاية المطاف لا يقتصر على حماية خوادم وقواعد بيانات، إنه رهان على الثقة التي تربط المرتفق بإدارته، وعلى سرية العمليات الإدارية، وعلى حصانة القرار الترابي من أي اختراق قد يحرف مساره أو يكشف تفاصيله قبل أوانه، كما يتعلق الأمر بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والمؤسساتي، انسجاما مع مقتضيات القانون 09.08 وتوجهات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والسؤال الذي تطرحه حملة ARTEX ليس عن الطرف الذي سيمنحه الذكاء الاصطناعي الأفضلية، بل عن الطرف الذي سيستثمر فيه أولا وبذكاء أكبر، والإدارة التي تؤجل إعداد كفاءاتها لهذه المرحلة تمنح المهاجمين أفضلية مجانية، أما الإدارة التي تجعل من الرأسمال البشري المؤهل خط دفاعها الأول فتحول التهديد إلى فرصة لتحديث نفسها وتحسين جودة خدماتها وترسيخ سيادتها الرقمية.


