آسفي تستعد للأمطار.. هل تحوّلت دروس الفاجعة إلى ضمانات لحماية الأرواح؟
بعد فاجعة 14 دجنبر 2025 التي أودت بحياة 37 شخصاً، تعود آسفي إلى موسم الأمطار وسط إجراءات وقائية معلنة وأسئلة ملحّة حول الجاهزية الفعلية. فالاجتماعات والدراسات مهمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتساقط الأمطار.
ليست آسفي أمام موسم مطري عادي؛ فالمدينة تحمل ذاكرة مأساوية لفاجعة 14 دجنبر 2025، حين تسببت الفيضانات في وفاة 37 شخصاً وخسائر مادية جسيمة. ولذلك، فإن الاستعداد للموسم الحالي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاجتماعات المنعقدة أو الدراسات المنجزة، بل بمدى قدرة التدابير المتخذة على منع تكرار الأحداث المأساوية وحماية السكان وممتلكاتهم.
وفي هذا السياق، عقدت اللجنة الإقليمية لليقظة لتدبير وتتبع أحداث الفيضانات اجتماعاً يوم 8 أكتوبر 2026 بمقر عمالة إقليم آسفي، برئاسة عامل الإقليم محمد فطاح، خُصص لتدارس نتائج الدراسة التقنية المتعلقة بحماية المدينة من الفيضانات، والوقوف على الإجراءات الوقائية والاستباقية الواجب اتخاذها مع اقتراب موسم التساقطات المطرية.
من تشخيص الخطر إلى تنفيذ الحلول
وفق المعطيات التي جرى الإعلان عنها، قدم مكتب الدراسات NOVEC نتائج الدراسة التقنية التي شملت تشخيص مصادر الخطر وتحديد المناطق المعرضة للفيضانات، واقتراح حلول وتدخلات ذات أولوية لتعزيز حماية المدينة من التساقطات الغزيرة والاستثنائية.
كما قدمت وكالة الحوض المائي لأم الربيع عرضاً حول منظومة الإنذار المبكر، التي تستهدف تطوير قدرات الرصد والتوقع، وتحسين تبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين، بما يسمح بالتدخل في الوقت المناسب.
ومن جهتها، استعرضت الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش آسفي برنامج تنظيف وصيانة شبكات التطهير ومجاري المياه، إلى جانب أشغال تنقية وادي الشعبة، في مسعى لتحسين تصريف مياه الأمطار والحد من تجمعها.
كما صادقت اللجنة الإقليمية على مخرجات الدراسة التقنية، مع التأكيد على تسريع التدخلات ذات الأولوية واستكمال الأشغال الاستعجالية، وتكثيف التتبع الميداني وتعزيز التنسيق بين المصالح المعنية.
وادي الشعبة.. الاختبار الأصعب
يظل وادي الشعبة في قلب معادلة الحماية، بالنظر إلى ارتباطه بالفاجعة السابقة وما كشفته من مخاطر السيول وضعف القدرة على تصريف المياه في ظروف استثنائية.
ومن ثم، فإن تنقية مجرى الوادي وصيانة المنشآت المرتبطة به لا ينبغي أن تظل مجرد عناوين في برامج التدخل، بل يتعين أن تكون موضوع تتبع ميداني دقيق، مع توضيح ما أُنجز، وما تبقى، والآجال المحددة لاستكمال الأشغال.
كما أن منظومة الإنذار المبكر لن تحقق الغاية المرجوة منها بمجرد الإعلان عن وجودها؛ إذ تتطلب وضوح آليات إصدار التحذيرات، وسرعة وصولها إلى السكان، وتحديد مسؤوليات التدخل والإخلاء عند الضرورة، خصوصاً في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة
تبرز أمام هذه المعطيات مجموعة من الأسئلة التي تهم الساكنة والرأي العام منها:
- ما التدخلات التي اكتملت فعلياً قبل بداية التساقطات، وما الأشغال التي ما تزال جارية؟
- هل شملت عمليات التنقية والصيانة جميع النقاط السوداء والمناطق التي سبق أن عرفت تجمع المياه؟
- ما مدى جاهزية وادي الشعبة والمنشآت المرتبطة به لاستيعاب تدفقات مائية قوية؟
- كيف ستصل الإنذارات المبكرة إلى السكان، ومن يتحمل مسؤولية تفعيلها؟
- هل تتوفر فرق التدخل والإنقاذ على الوسائل والموارد اللازمة للاستجابة السريعة؟
- ما آليات التواصل مع الساكنة وإخبارها بالمناطق الخطرة والإجراءات الواجب اتباعها؟
إن طرح هذه الأسئلة ليس تشكيكاً في المجهودات المعلنة، بل هو جزء من الحق المشروع للمواطنين في معرفة مستوى الحماية المتوفرة لهم، ومن مسؤولية الإعلام في تتبع السياسات العمومية ومساءلة نتائجها.
الوقاية مسؤولية لا تحتمل التأجيل

لقد كشفت فاجعة دجنبر الماضي أن مخاطر الفيضانات لا تتوقف عند حدود التساقطات المطرية، بل ترتبط أيضاً بجاهزية البنيات التحتية، وفعالية أنظمة الإنذار، وسرعة التدخل، والتنسيق بين المؤسسات، ومدى استعداد السكان أنفسهم.
ولذلك، فإن حماية آسفي تتطلب تعبئة مستمرة لا ترتبط فقط بفترة نزول الأمطار، بل تشمل الصيانة الدورية، ومراقبة مجاري المياه، ومعالجة الاختلالات العمرانية والتقنية، والتواصل الوقائي مع المواطنين.
لقد دفعت آسفي ثمناً إنسانياً باهظاً في الموسم الماضي؛ ولا ينبغي أن تتحول الذكرى إلى مجرد مناسبة لاستحضار الحزن، بل إلى التزام عملي يجعل حماية الأرواح أولوية لا تقبل التأجيل.
والسؤال اليوم ليس: هل اجتمعت لجنة اليقظة؟ بل: هل أصبحت المدينة أكثر أمناً وجاهزية مما كانت عليه قبل الفاجعة؟
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


