أنوار يكتب : ملفات المغاربة الطبية في مرمى الفدية… ماذا لو كان المستشفى/المستوصف القادم مغربيا؟
أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
في صباح السادس والعشرين من أكتوبر 2026، وجد مستشفى جامعة نيو مكسيكو نفسه عاجزا عن أداء أبسط مهامه، حُوّلت سيارات الإسعاف نحو مستشفيات أخرى، وأُلغيت المواعيد والعمليات في أكثر من ثلاثين عيادة، وبقيت الولاية ساعات بلا مركز قادر على استقبال أخطر إصابات الصدمات، لم يكن الأمر عطلا تقنيا عابرا، بل هجوما سيبرانيا شلّ مؤسسة يفترض أن تعمل بدقة في كل لحظة، وإذا كان هذا ممكنا في واحد من أغنى بلدان العالم، فإن السؤال الذي يعنينا بسيط ومقلق في آن، ماذا لو استيقظ مستشفى مغربي غدا على المشهد نفسه؟
تبنّت الهجوم مجموعة فدية جديدة تُدعى BYOD، وزعمت أنها اخترقت نحو ستة وثلاثين ألف جهاز وسرقت بيانات المرضى والموظفين والطلبة، ومنها أرقام الضمان الاجتماعي وسجلات الأجور وقوائم الملف الطبي الإلكتروني، ثم جاء المنعطف الأغرب، إذ غيّرت المجموعة نبرتها في اليوم الموالي، وعرضت مفاتيح فك التشفير مجانا للمؤسسات الصحية، ووعدت بدفع ما يصل إلى ألفين وخمسمائة دولار لكل مريض متضرر، وقدّمت نفسها على أنها صاحبة أخلاق ومبادئ، لكنها أعلنت في الوقت نفسه أنها ستحتفظ بالبيانات المسروقة، هو اعتذار في الشكل وابتزاز في الجوهر، ولا تغيّر النبرة اللطيفة شيئا من طبيعة الجريمة، المستشفيات أهداف مفضلة لأن كل دقيقة توقف فيها تُقاس بحياة الناس، ولأن ما تحمله من بيانات لا يُستبدل، يمكن تغيير كلمة السر أو البطاقة البنكية، لكن لا يمكن تغيير تشخيص مرض مزمن أو ملف نفسي أو حمل، هذه المعلومات تصلح لانتحال الهوية والاحتيال والابتزاز الشخصي ورسائل التصيّد المقنعة، وقد تبقى صالحة للاستغلال سنوات طويلة، ولهذا كان تحذير الجامعة لمرضاها من الرسائل غير المطلوبة منطقيا تماما، فوعد التعويض نفسه قد يكون فخا جديدا لجمع بيانات بنكية من ضحايا مرتبكين، واللافت أن النظام الصحي ذاته سبق أن تعرّض في 2021 لاختراق مسّ بيانات 637 ألف مريض، فالمؤسسة التي تُخترق مرة تبقى هدفا مغريا ما لم تغيّر دفاعاتها جذريا.
ووطننا العزيز المغرب، ليس متفرجا على هذا المشهد من بعيد، ففي أبريل 2025 تسرّبت من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بيانات مليون و996 ألف أجير، وفي أبريل 2026 نشرت مجموعة “جبروت dz” ملفا تزعم أنه يضم بيانات أكثر من ثلاثة ملايين منخرط في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، دون أن يصدر تأكيد رسمي لحجم التسريب، والصندوقان هما بالضبط الجهتان اللتان تدبّران التأمين الإجباري عن المرض، أي أن المهاجمين وصلوا فعلا إلى أبواب المنظومة الصحية المغربية، ولم يبق بينهم وبين الملفات الطبية سوى خطوة، وتزداد هذه الخطوة قصرا مع ورش الرقمنة الاستراتيجي، الذي تخوضه بلادنا، فمشروع القانون 52.26 ينص على منصة مركزية للمعطيات الصحية، وملف طبي مشترك لكل مريض، ومعرّف صحي وطني موحد، ونظام معلومات استشفائي موحد تشرف عليه كل مجموعة صحية ترابية، إنه تقدم ضروري سيختصر معاناة المرضى، لكنه يجمع في الوقت نفسه التاريخ الطبي لملايين المغاربة في مكان واحد، والمهاجم لا يطرق عادة باب المركز الاستشفائي الجامعي المحصّن، بل يتسلل من أضعف حلقة في السلسلة، حاسوب قديم في مستوصف قروي، أو كلمة سر مشتركة بين ممرضي المداومة، أو حساب ولوج عن بعد لمتعهد تقني نُسي إغلاقه،
من هنا تصبح أسئلتي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية مشروعة وملحّة، فالقانون 05.20 ومرسومه التطبيقي يلزمان المؤسسات ذات الأهمية الحيوية بتعيين مسؤول عن أمن نظم المعلومات والخضوع للافتحاص، والمادة الثامنة منه تفرض التصريح الفوري بكل حادث سيبراني، والوزارة رصدت في دجنبر 2025 ما يقارب أحد عشر مليون درهم لمركز عمليات أمنية، بعد صفقة بأربعة ملايين ونصف لتدبير الولوج ذي الصلاحيات المميزة، فهل دخل هذا المركز حيز التشغيل؟ وهل يرى ما يجري في مراكز القرب والمستوصفات كما يرى ما يجري في المستشفيات الكبرى؟ وكم مؤسسة صحية خضعت لافتحاص مستقل، وكم ثغرة حرجة أُغلقت؟ وهل تملك مستشفياتنا نسخا احتياطية معزولة ومختبرة، وخطة مكتوبة لتشغيل المستعجلات والولادة وغسيل الكلى يدويا إذا توقفت الأنظمة؟ وما موقف الوزارة المعلن من دفع الفدية؟ وإذا سُرقت ملفات مرضى مغاربة غدا، فهل سيُبلَّغون بذلك فرديا وفي أجل معقول، أم سيعلمون بالخبر من قنوات القراصنة على تيليغرام كما كانت تفعل مجموعة جبروتdz.
إن الرسالة الأوضح التي يجب استيعابها من درس نيو مكسيكو، هي أن الأمن السيبراني في القطاع الصحي لم يعد مسألة تقنية في الخلفية، بل جزء مباشر من سلامة المريض، يستحق أن يموَّل ويراقَب ويحاسَب عليه كما يحاسَب على النظافة وتعقيم أدوات الجراحة، وهي مسؤولية لا تقف عند الوزارة، بل تمتد إلى المراكز الاستشفائية الجامعية والمستشفيات الجهوية والإقليمية والمجموعات الصحية الترابية والمندوبيات ومراكز القرب، وإلى كل صندوق ومختبر ومتعهد يلمس بيانات المرتفقين، أما المواطن فعليه ألا يتجاوب مع أي رسالة تعده بتعويض أو تطلب معطياته باسم مستشفى أو صندوق، ما حدث في ألبوكيركي قد يحدث في أي مدينة مغربية، والفرق الوحيد الممكن هو أن نكون قد استعددنا قبل أن يقع.


