قنبلة لمنع قنبلة: ماذا لو كسر ترامب آخر محرّمات الحرب في إيران؟
مساء الأحد، كتب الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون على منصة «إكس» أن إدارة ترامب «قد تكون على بعد أيام» من ضربة نووية لإيران. صباح الإثنين، نفّذت واشنطن ضربات وصفتها بـ«الدفاعية» على جزيرة قشم. واليوم الثلاثاء، يصوّت الأمريكيون في انتخابات التجديد النصفي، وهي المحطة التي ظل ترامب يربط بها مصير الحرب منذ أسابيع.
ثلاثة أحداث في ثلاثة أيام، وخيط واحد يجمعها: كلمة «نووي» عادت إلى عناوين حرب دخلت شهرها التاسع. لكن قبل أن نسأل «هل سيفعلها؟»، يجب أن نسأل: ماذا نعرف فعلاً؟ وما الذي يُقال فقط؟
ما نعرفه… وما يُروى
نبدأ بالوقائع. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران انطلقت في 28 فبراير 2026، وقُتل فيها المرشد علي خامنئي. في 7 أبريل، هدّد ترامب بأن «حضارة بكاملها ستموت الليلة»، ثم قبل بعد ساعات وقفاً لإطلاق النار. وفي 24 أبريل قالها صريحة للصحفيين: «كلا، لن أستخدمه»، متسائلاً لماذا يلجأ إلى النووي ما دام قد «دمّرهم بطريقة تقليدية».
في منتصف أكتوبر، استبعد ترامب مجدداً، في حوار مع «نيوزماكس»، استعمال السلاح النووي ضد إيران، وقال إن قنبلة MOAB التي يجري الحديث عنها «ليست نووية». وفي نهاية الأسبوع الماضي، قال من منتجعه في مارالاغو إن «موقعاً أو موقعين» نوويين ما زالا هدفاً محتملاً، وإن بلاده تستطيع ضربهما «في عشر دقائق»، وذكر بالاسم «جبل الفأس» (Pickaxe Mountain) قرب منشأة نطنز، دون أي إشارة إلى ترخيص بضربة نووية. ويوم الإثنين، حين سُئل إن كان يفكر في استئناف الضربات بعد انتخابات الثلاثاء، أجاب: «لا».
أما ما يُروى، فمصدره الأساسي كارلسون نفسه: الهدف هو «جبل الفأس»، والأسلحة التقليدية عاجزة عن اختراق نحو 300 قدم (قرابة 90 متراً) من الغرانيت، وبنيامين نتنياهو «يتصل بترامب كل يوم» للضغط في اتجاه الضربة، والقرار قد يُتخذ في حدود 7 نونبر. كارلسون ينسب هذه المعطيات إلى «مراقب مطّلع» لا يسمّيه، ولم يصدر أي تأكيد رسمي لها حتى الآن.
وهنا تفصيل مهم: كارلسون ليس مصدراً محايداً. الرجل انتقل منذ الربيع من حليف إلى خصم علني لترامب في ملف إيران، وطالب في شتنبر بعزله، فيما ردّ عليه ترامب في أبريل بوصفه «أحمق» و«منخفض الذكاء». في المقابل، لم يكن رد البيت الأبيض على أسئلة الصحافة حول الخيار النووي، في محطات سابقة من هذه الحرب، نفياً قاطعاً دائماً، بل إحالة إلى منشورات الرئيس. بين رواية خصم غاضب وصمت مؤسسة غامض، يقف القارئ أمام منطقة رمادية لا تسمح بالجزم في أي اتجاه.
لماذا «جبل الفأس» تحديداً؟
السؤال العسكري حقيقي، حتى لو كانت الرواية السياسية غير مؤكدة. «جبل الفأس» موقع محصّن قرب نطنز يضم، بحسب ما تنشره الصحافة الإسرائيلية، مجمّعين من الأنفاق العميقة، ولم يُضرب طيلة الحرب. والشكوك قائمة، أمريكياً وإسرائيلياً، حول قدرة القنابل الخارقة للتحصينات التقليدية، وزن الواحدة منها نحو 13 ألف كيلوغرام، على بلوغ عمقه.
هنا يتسلل المنطق الخطير: إذا كان السلاح التقليدي لا يصل، فالنووي «الحل الوحيد». منطق تقني في ظاهره، لكنه يقلب السؤال رأساً على عقب: لم يعد النقاش «هل يجوز استعمال السلاح النووي؟»، بل «هل هو السلاح المناسب لهذا الهدف؟». وحين يصبح المحرّم مسألة هندسية، يكون شيء ما قد انكسر قبل أن تسقط أي قنبلة.
المفارقة: قنبلة لمنع قنبلة
منذ ناغازاكي، في غشت 1945، لم تستعمل أي دولة السلاح النووي في حرب. واحد وثمانون عاماً من «المحرّم النووي» لم تصنعها المعاهدات وحدها، بل قناعة مشتركة بأن هذا السلاح يُمتلك ليُردع به، لا ليُستعمل.
لو ضربت الولايات المتحدة إيران نووياً، فستفعل ذلك باسم منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهنا المفارقة الكاملة: الضربة التي يُراد بها إقناع العالم بأن السلاح النووي ممنوع، ستقدّم له أقوى دليل على أنه ضروري. أي دولة تشعر بالتهديد ستقرأ الرسالة ببساطة: من لا يملك القنبلة قد تسقط عليه.
وقد سبق لعلي لاريجاني، المستشار المقرب من القيادة الإيرانية، أن صرّح في 2025 بأن بلاده لا تسعى إلى القنبلة، لكنها «لن يكون أمامها خيار» سوى صنعها إذا تعرضت لهجوم. بعد ثمانية أشهر من الحرب، تبدو هذه الجملة أقل شبهاً بالتهديد وأكثر شبهاً بالتوقع.
سياسياً، لن تبقى الكلفة داخل حدود إيران. معاهدة عدم الانتشار، القائمة على وعد ضمني بأن الكبار لن يستعملوا ما يمنعونه على غيرهم، ستفقد ما تبقى من شرعيتها. حلفاء واشنطن الأوروبيون والعرب سيجدون أنفسهم أمام سؤال علني لا يملكون جواباً مريحاً عنه. وروسيا والصين ستحصلان على سابقة يمكن الاستشهاد بها لعقود. حتى داخل الإدارة الأمريكية، تتحدث التقارير عن نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف بوصفهما صوتين يدفعان نحو الدبلوماسية، وعن تحالفات أمريكية مدنية تطالب ترامب بأن يستبعد الخيار النووي «بشكل قاطع ونهائي».
هرمز في برميل… والبرميل في محطة بركان
الاقتصاد لا ينتظر القنبلة ليتحرك؛ يكفيه الخوف منها. قبل الحرب، كان نحو خُمس النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز. ومنذ فبراير، تجاوز البرميل عتبة 100 دولار في ذروة الاضطرابات، وفي 30 أكتوبر كانت الأسعار تتجه نحو رابع ارتفاع شهري متتالٍ، مدفوعة بضرب ناقلة في المضيق وبتلويح واشنطن باستئناف الحرب.
المغرب، المستورد لجلّ حاجاته الطاقية، يدفع الفاتورة بالدرهم. في فاتح يوليوز 2026، كان لتر الغازوال في حدود 12.61 درهماً. في فاتح أكتوبر، تجاوز 16 درهماً. أكثر من ثلاثة دراهم ونصف في اللتر خلال ثلاثة أشهر، تنتقل من خزان الشاحنة إلى ثمن الخضر، ومن كلفة النقل إلى ميزانية الأسرة.
هذه هي حرب «تقليدية» محدودة الضربات. ضربة نووية، حتى لو استهدفت موقعاً معزولاً، ستعني قفزة في علاوة المخاطر يصعب تقدير سقفها: إغلاق محتمل للمضيق، ارتفاع كلفة التأمين البحري، وهروب للرساميل نحو الملاذات الآمنة. في بلد مثل المغرب، لا تقاس هذه الأرقام في البورصات، بل عند المضخة وفي السوق الأسبوعي.
البيئة: ما لا تمنعه الحدود
الضربة التي تستهدف موقعاً تحت الأرض لا تشبه صور هيروشيما في الأذهان، لكنها ليست أنظف. التفجير الذي يخترق الأرض يرفع كميات هائلة من التربة والصخور الملوثة إشعاعياً، فتتحول إلى غبار يحمله الهواء. وإذا كان الموقع يحتوي على يورانيوم مخصّب أو مركّباته، فسيضاف التلوث الكيميائي والإشعاعي للمادة نفسها إلى إشعاع التفجير.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تنتظر سيناريو نووياً لتحذّر. في 2 مارس 2026، قال مديرها العام رافائيل غروسي أمام مجلس المحافظين إنه «لا يمكن استبعاد» تسرب إشعاعي خطير قد يفرض إخلاء مناطق «بحجم المدن الكبرى أو أكبر»، وذلك في سياق ضربات تقليدية قرب منشآت نووية. فما بالك بضربة نووية على منشأة نووية؟
الرياح لا تعترف بالخرائط. الغبار المشع قد يصل إلى العراق والخليج وأفغانستان وباكستان، ومنها إلى المياه الجوفية والمحاصيل والمراعي. والإنسان هنا ليس رقماً في تقرير: هو الفلاح في أصفهان، والعامل في موانئ الخليج، والطفل الذي سيولد بعد عشر سنوات في منطقة لم يسمع سكانها يوماً بـ«جبل الفأس».
كلمة أخيرة
قد لا تسقط أي قنبلة نووية على إيران هذا الأسبوع. وقد تكون رواية كارلسون مبالغة سياسية من خصم غاضب. لكن الذي حدث فعلاً أخطر من الشائعة: صار العالم يناقش استعمال السلاح النووي كما يناقش جدول عمليات عسكرية. ويبقى سؤال واحد بلا جواب: إذا كانت القنبلة تُستعمل لمنع القنبلة، فمن سيقنع أي دولة بعد اليوم بأنها لا تحتاج قنبلتها؟


