شعار جريدة البوصلة

ليس بعد: لماذا لا تزال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ترفاً في العملية التعليمية

التكنولوجيا وال ai

يتكرر في المؤتمرات التربوية وعلى المنصات الرقمية خطاب واحد: من لا يُدخل الذكاء الاصطناعي إلى فصله الدراسي سيتخلف عن الركب. غير أن الضرورة كلمة ثقيلة، فالشيء الضروري هو ما لا تقوم العملية بدونه. وإذا طبّقنا هذا المعيار بهدوء، تبيّن أن التعليم، بوصفه علاقة بين معلّم ومتعلّم حول معرفة ما، لا يزال قائماً بأركانه الأولى، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، تظل أداة مساعدة لا شرط وجود.

أولاً: الضروري هو ما تنهار العملية بغيابه

لو سألنا ما الذي لا يستقيم التعليم بدونه، لكانت الإجابة: معلّم كفء، ومتعلّم متحفّز، ومنهاج واضح، وبيئة آمنة، وعلاقة ثقة تجمع هذه العناصر. هذه هي الأعمدة التي قام عليها التعليم قروناً قبل الحاسوب، وهي التي تفسّر لماذا خرّجت مدارس بسيطة أجيالاً من العلماء والمفكرين. أما التكنولوجيا فتُسرّع وتوسّع وتُيسّر، لكنها لم تُثبت بعد أنها تحلّ محل أي من هذه الأعمدة. وحين تغيب الأعمدة، لا يُنقذ الجهاز الحديث فصلاً ينهار.

ثانياً: الفجوة الرقمية تجعل «الضرورة» امتيازاً لا حقاً

إذا اعتبرنا التكنولوجيا ضرورية، فقد قررنا ضمناً أن من لا يملكها محروم من تعليم حقيقي. وهذا حكم قاسٍ في بلدان لا تزال فيها مناطق كثيرة، قروية وجبلية وهامشية، تعاني من ضعف الربط بالإنترنت وانقطاع التيار ونقص الأجهزة. فكيف نعلن ضرورة ما لا يصل إلى نصف المتعلمين؟

وتكشف التجربة الأخيرة في التعليم عن بُعد أثناء جائحة كورونا هذه الحقيقة بوضوح. فقد استفاد من المنصات الرقمية أبناء الأسر المجهزة، بينما انقطع كثير من أبناء الأسر محدودة الدخل عن الدرس، حتى صار «التحول الرقمي» في حالات عديدة مضاعِفاً للفوارق لا جسراً فوقها. والضرورة الحقيقية لا تُنتج إقصاءً بهذا الحجم.

ثالثاً: الدليل على الأثر التعلّمي لا يزال غير حاسم

من الإنصاف أن نقول إن نتائج البحث التربوي في أثر التكنولوجيا على التحصيل متباينة. فبعض الدراسات تسجّل مكاسب في مجالات محددة، كالتدريب على المهارات الأساسية والتغذية الراجعة الفورية. وفي المقابل تشير دراسات أخرى إلى أن مجرد إدخال الأجهزة إلى الفصل لا يرفع التحصيل تلقائياً، وأن العامل الحاسم هو طريقة التدريس لا نوع الأداة. كما تحذّر أبحاث حول الانتباه من أن الأجهزة المتصلة قد تشتت المتعلم بدل أن تعمّق تعلّمه.

وهذا التباين وحده كافٍ لنزع صفة الضرورة، لأن الضروري لا يحتاج إلى إثبات متكرر لجدواه. نحن أمام أداة واعدة في مواضع، ومشكوك في أثرها في مواضع أخرى، وهذه صفة الأدوات لا الأركان.

رابعاً: الذكاء الاصطناعي وخطر الاختصار المعرفي

في حالة الذكاء الاصطناعي التوليدي يزداد الحذر. فالتعلم الحقيقي يمرّ عبر الجهد: أن تحاول وتخطئ وتعيد الصياغة وتربط الأفكار بنفسك. وحين يقدّم النموذج الجواب والمقال والملخص في ثوانٍ، يصبح الإغراء كبيراً بتجاوز هذه المرحلة، وهي بالذات المرحلة التي يتشكل فيها الفهم والمهارة.

ثم إن هذه الأنظمة تخطئ أحياناً بثقة، وتصوغ معلومات غير دقيقة بأسلوب مقنع. ولا يملك المتعلم المبتدئ غالباً الأدوات المعرفية لاكتشاف الخطأ، إذ يحتاج التحقق إلى معرفة سابقة لم يكتسبها بعد. وهنا المفارقة: الأداة التي يُفترض أن تعوّض ضعف التحصيل تفترض تحصيلاً قائماً كي تُستعمل استعمالاً سليماً.

وتُضاف إلى ذلك أسئلة النزاهة الأكاديمية، إذ لم تجد المؤسسات التعليمية بعد صيغة واضحة لتقويم عمل الطالب حين يصعب التمييز بين جهده وجهد الآلة. ومسائل الخصوصية وحماية بيانات القاصرين لم تُحسم هي الأخرى في أغلب الأنظمة.

خامساً: المعلّم أولاً، والتأهيل قبل الأجهزة

تُظهر تجارب كثيرة أن إدخال الأجهزة دون تكوين المعلمين ينتهي إلى حواسيب مغلقة في المخازن ولوحات تفاعلية تُستعمل سبورةً عادية. فالمشكلة ليست في نقص التقنية بقدر ما هي في غياب الرؤية البيداغوجية التي تجعلها ذات معنى. وحين تُصرف الميزانيات على الاقتناء قبل التكوين، فإننا نعكس ترتيب الأولويات.

وفي سياقنا المغربي والمغاربي عموماً، لا تزال الأولويات الملحّة معروفة: الاكتظاظ، وتحسين ظروف اشتغال المدرّس، ومحاربة الهدر المدرسي، وترسيخ التعلمات الأساسية في القراءة والحساب. فهل يكون الذكاء الاصطناعي أولى من هذه الأساسيات؟ إن من يعجز تلميذه عن القراءة بطلاقة لا يحتاج إلى مساعد ذكي بقدر ما يحتاج إلى معلّم متفرغ وحصة دعم.

سادساً: «ليس بعد» ليست «لا أبداً»

هذا المقال لا يدعو إلى مقاطعة التقنية. فالتكنولوجيا نافعة حين توضع في موضعها: في الوصول إلى الموارد، وفي دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي تخفيف الأعباء الإدارية عن المدرّس، وفي التعلم الذاتي لمن تتوافر له شروطه. لكن الفرق كبير بين أداة مفيدة وشرط لازم.

وتصبح التكنولوجيا ضرورة حين تتحقق أربعة شروط: تكافؤ حقيقي في الولوج إليها، وتكوين متين للمعلمين، وأدلة تربوية قوية على أثرها في سياقنا نحن، وأُطر أخلاقية وقانونية واضحة لاستعمالها. وما دامت هذه الشروط غير مكتملة، فالأصح أن نصفها بأنها فرصة يُحسن استثمارها بحذر، لا ضرورة يُساق إليها المتعلمون سوقاً.

كلمة أخيرة

يبقى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق كل استثمار: ماذا نريد أن يتعلم أبناؤنا، وكيف نتأكد أنهم تعلّموا فعلاً؟ فإذا كانت الإجابة تمرّ عبر معلّم مُقدَّر ومنهاج متماسك وتلميذ مُحفَّز، فالتكنولوجيا تأتي في المرتبة التالية، خادمةً لا سيّدة.

إن التعليم الذي لا يستغني عن الذكاء الاصطناعي هو تعليم لم يبلغ بعد النضج الذي يسمح بذلك. وإلى أن نضمن العدالة والكفاءة والأدلة والضوابط، يبقى الجواب الأمين عن سؤال العنوان: ليس بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *