البوصلة: إذا اختلطت الاتجاهات، فابحث عن البوصلة
البوصلة الآن
مجتمع جامعات مونتريال تفتح آفاقها أمام الطلبة المغاربة

الدرهم تحت ضغط ارتفاع الأسعار العالمية

الدرهم المغربي 2

عاد الدرهم خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعد تسجيل تراجع ملحوظ أمام اليورو والدولار، في حركة لافتة من حيث المدة والحجم. وبحسب أسعار بنك المغرب المرجعية في 5 أكتوبر، بلغ اليورو 11.1799 درهما والدولار 9.9779 درهما، فيما ارتفع اليورو بنحو 4.1 في المائة أمام الدرهم منذ بداية غشت، والدولار بنحو 6.9 في المائة خلال الفترة نفسها. لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس هل تراجع الدرهم، بل ما الذي يفسر هذا التراجع ومتى يمكن أن ينتقل أثره من سوق الصرف إلى الأسعار والنشاط الاقتصادي؟

الجواب يبدأ من طبيعة نظام الصرف المغربي نفسه. فالدرهم ليس عملة عائمة بشكل حر، بل يتحرك داخل نطاق تقلب يبلغ 5 في المائة صعودا أو نزولا حول سعر مركزي محسوب على أساس سلة تضم اليورو بنسبة 60 في المائة والدولار بنسبة 40 في المائة. ولذلك فإن ارتفاع الدولار عالميا أو تغير العلاقة بين الدولار واليورو يمكن أن ينعكس مباشرة على قيمة الدرهم حتى قبل الحديث عن وضع الاقتصاد المغربي الداخلي.

غير أن التحركات الحالية لا تفسرها الأسواق العالمية وحدها. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 ارتفعت الواردات المغربية إلى 617.5 مليار درهم، بزيادة 15.8 في المائة، مقابل صادرات بلغت 334.9 مليار درهم، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 25.4 في المائة ليصل إلى 282.6 مليار درهم. ويرتبط جزء مهم من الضغط بارتفاع كلفة الطاقة، التي تزيد الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الواردات.

وتكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن الضغط الخارجي ليس افتراضا نظريا فقط. فقد ارتفع مؤشر القيم الوحدوية للواردات بنسبة 10 في المائة خلال الربع الثاني من 2026، وكان قطاع الطاقة ومواد التشحيم من أبرز مصادر الارتفاع، مع زيادة بلغت 53.1 في المائة في القيم الوحدوية لهذا البند. وهذا يعني أن الشركات المغربية التي تستورد الطاقة والمواد الأولية والتجهيزات تواجه ضغطا مزدوجا: ارتفاع الأسعار العالمية من جهة وارتفاع تكلفة العملات الأجنبية من جهة أخرى.

العملة

لكن المفارقة الأساسية أن هذا الضغط على سعر الصرف لا يعني أن المغرب يعيش حاليا موجة تضخم داخلي مرتفع. فعلى العكس، تشير المعطيات التي نقلت قراءة BMCE Capital Global Research إلى أن التضخم بلغ ناقص 0.3 في المائة في غشت، بعد ناقص 0.6 في المائة في يوليوز، بينما يرتقب بنك المغرب أن يبلغ متوسط التضخم 0.7 في المائة خلال 2026. وتفسر هذه الوضعية أساسا بتراجع أسعار المواد الغذائية وتحسن العرض الفلاحي، ما يعني أن الحديث عن “انهيار القدرة الشرائية بسبب هبوط الدرهم” سيكون سابقا لأوانه في هذه المرحلة.

غير أن هدوء التضخم الحالي لا يلغي الخطر المستقبلي. فالخبير الاقتصادي عبد الغني يومني يعتبر أن تراجع الدرهم لا يحمل في الوقت الراهن خصائص أزمة عملة، مستندا إلى استمرار تدفقات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والاستثمار الأجنبي، وإلى مستوى احتياطيات مريح من العملة الصعبة. لكنه يحذر في المقابل من أن استمرار التراجع قد ينقل الصدمة إلى الأسعار عبر كلفة الطاقة والمواد الأولية والتجهيزات المستوردة، بما يخلق ما وصفه بانتقال مزدوج للتضخم المستورد.

ومن هنا يختلف أثر الدرهم الضعيف من فاعل اقتصادي إلى آخر. فالمصدر الذي يحصل على إيرادات باليورو أو الدولار قد يستفيد عند تحويلها إلى الدرهم، بينما تواجه الشركات المعتمدة على المواد أو المعدات المستوردة ارتفاعا في التكلفة وتضييقا على الهوامش. كما يمكن أن ترتفع القيمة المحسوبة بالدرهم لبعض الديون الخارجية المقومة بالعملات الأجنبية. وبذلك لا توجد نتيجة موحدة لتراجع الدرهم على الاقتصاد، بل توزيع مختلف للمكاسب والخسائر بين القطاعات والمؤسسات.

المسألة التي تستحق المتابعة، إذن، ليست عتبة العشرة دراهم للدولار ولا تجاوز اليورو حاجز 11 درهما في حد ذاتهما، وإنما مدة استمرار الحركة وما إذا كانت ستتزامن مع ارتفاع أكبر في فاتورة الطاقة واتساع العجز التجاري. فإذا بقيت تدفقات العملة الصعبة والاحتياطيات في وضع مريح، يظل المجال مفتوحا لامتصاص الصدمة. أما إذا طال أمد الضغط الخارجي، فقد يصبح سعر الصرف قناة إضافية لانتقال التضخم إلى الداخل، خصوصا عبر الطاقة والنقل والسلع والتجهيزات.

لهذا فإن تراجع الدرهم الحالي لا يبدو، وفق المعطيات المتاحة، قصة أزمة نقدية، لكنه يحمل رسالة اقتصادية لا ينبغي تجاهلها: الاقتصاد المغربي ما يزال قادرا على امتصاص الصدمات، لكن كلفة الطاقة والواردات وسرعة نمو العجز التجاري يمكن أن تجعل الدفاع عن استقرار الأسعار أكثر تعقيدا في الأشهر المقبلة. وهذه تحديدا هي النقطة التي ينبغي أن تراقبها الحكومة الجديدة وبنك المغرب، لا الرقم اليومي لسعر الصرف وحده.

شارك المقال

أمين<strong> طاهر</strong>، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي. "الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة"

كل مقالات أمين طاهر ←

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *