تقرير صحفي – جريدة «البوصلة»
إعداد: مريد يوسف
في الدار البيضاء، قد تبدأ رحلة قصيرة على الخريطة قبل موعدها بوقت طويل، لا لأن المسافة بعيدة، بل لأن الطريق لا يضمن الوصول في الوقت المحدد. وعلى محاور المدينة، ترسم السيارات والحافلات والشاحنات مشهدًا يتكرر كل يوم في ساعات الذروة: حركة بطيئة، ووقت مهدور، وأعصاب تختبرها رحلة إلى العمل أو الدراسة أو موعد تجاري.
وتوثّق الصور المرافقة حركة السير على أحد المحاور الحضرية: مركبات متعددة تسير على طريق واسع تحت جسور وممرات علوية، فيما يتقدم السير بوتيرة لا توازي أهمية مدينة تعتمد على الطرق في تنقل سكانها وربط أحيائها بمراكز العمل والخدمات. ولا تكشف الصور وحدها حجم الازدحام في كل شوارع المدينة، لكنها تلتقط جانبًا من واقع مروري يعرفه مستعملو طرق الدار البيضاء يومًا بعد يوم.
وتشير معطيات البوابة الرسمية للمدينة إلى سير نحو 1.5 مليون سيارة يوميًا، وهو رقم يوضح حجم الضغط على شبكة الطرق، خصوصًا حين تتقاطع حركة السكان مع تنقل العاملين والمهنيين والزبائن والزوار القادمين للتجارة أو الأعمال أو السياحة.
حين يصبح الطريق عبئًا يوميًا
لا يتوقف أثر الازدحام عند تأخر الوصول. فالانتظار الطويل خلف المقود يستهلك وقتًا كان يمكن أن يخصصه الناس لأسرهم أو أعمالهم، ويحوّل التنقل اليومي إلى مصدر للتوتر والإرهاق. كما يضع أصحاب المقاولات والمتاجر ومقدمي الخدمات أمام صعوبة احترام المواعيد، ويؤثر في حركة الزبائن والتوريد، فيما يجد زائر المدينة نفسه مضطرًا إلى احتساب وقت إضافي لكل انتقال من وجهة إلى أخرى.
وهنا تتجاوز المسألة راحة السائق؛ فهي تمس جودة الحياة والإنتاجية وجاذبية المدينة. فالدار البيضاء، بوصفها قطبًا اقتصاديًا، تحتاج إلى تنقل يمكن التنبؤ به، لا إلى طرق تبدو واسعة في بعض المقاطع، لكنها تظل عرضة للاختناق عند نقاط الالتقاء والتقاطعات ومداخل الأحياء.
مشاريع قائمة وانتظارات مفتوحة
شهدت المدينة توسعًا في النقل الجماعي عبر خطوط الترامواي والحافلات ذات الجودة العالية، كما أُعطيت في 24 شتنبر 2025 الانطلاقة الرسمية لبرنامج سككي مهيكل لمنطقة الدار البيضاء الكبرى باستثمار إجمالي يبلغ 20 مليار درهم. وبعد مرور سنة، أفاد المكتب الوطني للسكك الحديدية بأن أوراش البرنامج تتواصل.
لكن أثر هذه المشاريع على الطريق يرتبط بمدى تكاملها وسهولة استعمالها: هل تربط الأحياء السكنية بمحطات النقل؟ هل تتوفر رحلات منتظمة وسعة كافية في ساعات الذروة؟ وهل يستطيع المسافر الانتقال بين القطار والترامواي والحافلة وسيارة الأجرة دون أن تتحول رحلته إلى سلسلة من الانتظارات؟
وتعرض البوابة الرسمية للمدينة مشاريع تشمل تهيئة الطرق، وتطوير مواقف السيارات، وتوسيع شبكة النقل، إلى جانب أنظمة لمراقبة حركة السير وتنظيم الإشارات الضوئية. غير أن التحدي يظل في أن يلمس مستعمل الطريق نتيجة هذه الجهود في تنقله اليومي، عبر تحسن ملموس في مدة الرحلات وانسيابية الحركة.
إصلاح يُقاس بما يعيشه الناس
تنتظر ساكنة الدار البيضاء مقاربة متكاملة تجعل النقل العمومي خيارًا عمليًا ومريحًا، وتربط الأحياء بمحطات القطار والترامواي والحافلات، مع توفير مواقف آمنة بالقرب منها. كما تتطلب حركة السير تدبيرًا أفضل للتقاطعات ومناطق الأشغال، ومراقبة الوقوف العشوائي، وتنظيم حركة الشاحنات والتزويد التجاري بما يخفف الضغط في أوقات الذروة.
ويحتاج السكان كذلك إلى معلومات واضحة ومحيّنة عن حركة السير والأشغال والمسارات البديلة، وإلى نشر مؤشرات دورية تبيّن أثر المشاريع: مدة الرحلات، وانتظام النقل، ونقاط الاختناق التي عولجت أو التي ما تزال تنتظر الحل.
فالمدينة الاقتصادية لا تُقاس بحجم مشاريعها فقط، بل بقدرة الناس على الوصول إلى أعمالهم وخدماتهم في وقت معقول. وبينما تواصل الدار البيضاء توسعها وتستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من السكان والعاملين والزوار، يبقى إصلاح التنقل وعدًا ينتظر الناس أن يلمسوه على الطريق، كل يوم.
الدار البيضاء تتحرك ببطء: ازدحام الطرق يختبر أعصاب السكان ويعطّل إيقاع الاقتصاد
