برنامج حكومة المنصوري أمام اختبار التنفيذ ورقابة البرلمان
لم تكن الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان، المنعقدة يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 لتقديم البرنامج الحكومي، مجرد محطة دستورية تعلن فيها فاطمة الزهراء المنصوري الخطوط العريضة لعمل حكومتها خلال الولاية الممتدة من 2026 إلى 2031، بل شكلت أول اختبار سياسي لمدى قدرة الأغلبية الجديدة على الانتقال من خطاب الوعود إلى بناء تعاقد قابل للقياس والمحاسبة. فحين تضع الحكومة تحسين القدرة الشرائية، وإصلاح الصحة والتعليم، وإدماج الشباب، ومحاربة الفساد، وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة ضمن أولوياتها، فإنها لا تعلن فقط طموحاتها، بل تحدد أيضا المجالات التي ستقاس من خلالها حصيلة ولايتها. والسؤال الذي يفرض نفسه منذ اليوم الأول ليس ما إذا كان البرنامج يتضمن أهدافا كبيرة، وإنما ما إذا كانت هذه الأهداف قادرة على تغيير ملموس في حياة المغاربة.
يكتسب هذا الموعد أهميته من كونه يؤسس للمرحلة السياسية الجديدة التي أعقبت انتخابات 23 شتنبر وتشكيل حكومة تقودها المنصوري، وتستند إلى أغلبية رباعية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بمجموع 207 مقاعد في مجلس النواب. وتوفر هذه الأغلبية قاعدة برلمانية مريحة لتمرير البرنامج والتشريعات المرتبطة به، لكنها ترفع في الوقت نفسه سقف المسؤولية السياسية؛ إذ لن يكون ممكنا إرجاع التعثر بسهولة إلى غياب السند البرلماني أو هشاشة التحالف. فالأغلبية العددية قد تسهل اتخاذ القرار، لكنها لا تضمن وحدها جودة السياسات العمومية ولا نجاحها في معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.

ومن الناحية الدستورية، يكتسي تقديم البرنامج أمام مجلسي البرلمان أهمية تتجاوز الطابع الاحتفالي أو الخطابي للجلسة. فالفصل 88 من الدستور ينص على عرض البرنامج الحكومي أمام المجلسين ومناقشته، يعقب ذلك تصويت في مجلس النواب، ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. وبذلك، فإن البرنامج ليس وثيقة إدارية داخلية، بل أساس سياسي ومؤسساتي يفترض أن تنبني عليه مساءلة الحكومة بشأن اختياراتها والتزاماتها. غير أن القيمة الحقيقية لهذا المسار الدستوري ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة رقابة فعلية على التنفيذ، لا الاكتفاء بمنح الثقة في بداية الولاية ثم متابعة التصريحات الحكومية من دون مساءلة منتظمة عن النتائج. (الفصل 88 من الدستور المغربي).
اقتصاديا، ترسم الحكومة الجديدة أهدافا طموحة؛ إذ تستهدف تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، والحفاظ على عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة بحلول 2031، مع السعي إلى حصر التضخم في حدود 2 في المائة. كما تراهن على رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، واستقطاب 26 مليون سائح بحلول 2030، إلى جانب تقوية الصناعة الوطنية وتنويع الاقتصاد وتسريع التحول الطاقي والرقمي. وتكشف هذه الأهداف عن محاولة للجمع بين تسريع النمو والحفاظ على التوازنات المالية، مع جعل الاقتصاد أكثر قدرة على تمويل الالتزامات الاجتماعية للدولة.
لكن الأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تكفي وحدها لإثبات أن الاقتصاد يسير في الاتجاه المطلوب. فبلوغ نمو بنسبة 5 في المائة لن يكون مكسبا اجتماعيا كاملا إذا لم ينعكس على خلق فرص الشغل وتحسين مداخيل الأسر وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني. كما أن استقطاب ملايين السياح لا ينبغي أن يقاس بعدد الوافدين فقط، وإنما بقدرته على خلق وظائف مستقرة، وتطوير المقاولات المحلية، وتحسين توزيع العائدات بين الجهات. أما رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار، فيفترض معالجة العوائق التي تواجه المقاولات، ولا سيما الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، من حيث التمويل والولوج إلى الصفقات والأسواق وتبسيط المساطر. فالاستثمار الخاص لا يستجيب للأهداف الحكومية بمجرد الإعلان عنها، بل يحتاج إلى بيئة مؤسساتية وقانونية واضحة، ومنافسة عادلة، وثقة في استقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.
وتظهر إحدى أهم مفارقات البرنامج في العلاقة بين الطموح الاجتماعي والانضباط المالي. فالحكومة تعد بتوسيع الدعم وتحسين الخدمات، بينما تلتزم في الوقت نفسه بخفض العجز والمديونية. والجمع بين الهدفين ممكن من حيث المبدأ، لكنه يتطلب موارد مستدامة، وإنفاقا عموميا أكثر نجاعة، ومكافحة فعلية للتهرب الضريبي والفساد والريع، إلى جانب نمو منتج يوسع قاعدة الثروة والضرائب. وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فقد تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة: إما تأجيل بعض الالتزامات الاجتماعية، أو البحث عن موارد إضافية، أو مواجهة ضغط على التوازنات المالية. لذلك لا يتعلق الرهان الاقتصادي بزيادة حجم الاستثمار فحسب، بل بنوعية النمو وبمدى قدرته على تمويل الدولة الاجتماعية دون نقل كلفة الاختلالات إلى الأجيال المقبلة.
وفي ملف القدرة الشرائية، يقدم البرنامج إشارات تستجيب مباشرة لواحد من أكثر الملفات حساسية لدى الأسر المغربية. فقد تعهدت الحكومة بالعمل على محاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، وتحسين مسالك تسويق المنتجات الأساسية، وضمان التوازن بين تصدير المنتجات الفلاحية والغذائية وتلبية حاجيات السوق الوطنية. كما تضمن البرنامج إجراءات للدعم الاجتماعي، من بينها رفع قيمة الدعم الموجه للأسر المستحقة إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وإقرار تعويض اجتماعي تلقائي لبعض الأسر المستحقة عن فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم بالنسبة إلى المسكن الرئيسي.
وتكمن أهمية هذه التدابير في أنها تجمع بين الدعم المباشر للأسر ومحاولة معالجة بعض الاختلالات التي تؤثر في الأسعار. غير أن أثرها سيظل رهينا بطريقة التنزيل ودقة استهداف المستفيدين، وبمدى قدرة أجهزة المراقبة ومجلس المنافسة على الحد من الممارسات الاحتكارية. فالدعم المالي قد يخفف العبء عن الأسر، لكنه لا يعالج وحده الأسباب التي تجعل أسعار المواد الأساسية ترتفع، كما أن تعويض فاتورة كهرباء محدودة لا يغني عن معالجة كلفة المعيشة بمختلف مكوناتها. ولهذا، فإن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد المستفيدين من برامج الدعم فقط، وإنما مقدار التحسن الفعلي في القدرة الشرائية، واستقرار أسعار المنتجات الأساسية، ومدى وصول أثر الإصلاحات إلى المستهلك بدل استنزافه في حلقات الوساطة والتوزيع.
وتبرز المسألة نفسها بصورة أوضح في الصحة والتعليم والسكن والتشغيل؛ وهي قطاعات وضعها البرنامج في قلب أولوياته. فقد أعلنت الحكومة توجهات لتغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، وتحسين خدمات الاستعجالات، وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة، وإرساء منظومة معلوماتية صحية موحدة، مع تعزيز الموارد البشرية. كما تعهدت بمواصلة إصلاح منظومة التعليم والسكن وتوسيع فرص الشغل وإدماج الشباب. وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من أنها تتصل بخدمات يختبر المواطن جودتها يوميا، ولا يمكن تعويض اختلالاتها بالخطاب أو المؤشرات الاقتصادية العامة.
لكن إصلاح هذه القطاعات لا يقاس بعدد البرامج التي تعلنها الحكومة، بل بما سيطرأ على حياة المواطنين: هل ستتراجع مدة انتظار المواعيد الطبية؟ هل ستتحسن خدمات المستعجلات وتتقلص الفوارق بين المدن والمناطق القروية؟ هل سينعكس الإنفاق على التعليم على جودة التعلمات وظروف التمدرس؟ وهل ستتوفر فرص شغل مستدامة تتناسب مع انتظارات الشباب ومؤهلاتهم؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تصاحب تنفيذ البرنامج منذ بدايته. فالمغرب لا يبدأ من فراغ، بل من حصيلة سياسات سابقة ومشاريع قائمة واختلالات ظلت حاضرة رغم توالي الإصلاحات. لذلك ستكون الحكومة مطالبة ليس فقط بإعلان أوراش جديدة، وإنما بتحديد ما ستستكمله، وما ستصححه، وما ستغيره بصورة ملموسة.

ومن هذا المنظور، تكتسي قضايا الشباب أهمية سياسية خاصة. فالبرنامج يضع إدماجهم والتشغيل والتكوين وريادة الأعمال ضمن أولوياته، في سياق تتزايد فيه المطالب بفرص الشغل وتحسين التعليم والخدمات الصحية. ولا يكفي أن يتحول الشباب إلى فئة مستهدفة في البرامج الحكومية؛ إذ المطلوب أن يصبحوا جزءا من نتائج السياسات العمومية، عبر مسارات واضحة للانتقال من التكوين إلى العمل، وتحسين شروط إنشاء المقاولات، وتوسيع فرص الشغل خارج القطاعات التي لا توفر بالضرورة الاستقرار المهني. كما أن قياس نجاح هذه السياسة يتطلب مؤشرات معلنة بشأن الوظائف المستحدثة، واستدامتها، وتوزيعها جغرافيا، ومدى استفادة النساء والشباب في المناطق الأقل حظا. فالثقة في العمل العمومي لا تُستعاد بالوعود وحدها، بل حين يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة تستجيب لمطالبه بطريقة قابلة للملاحظة والتقييم.
أما على مستوى السيادة الاستراتيجية، فيحمل البرنامج رهانات تتجاوز الاقتصاد بالمعنى الضيق. فقد تعهدت الحكومة بتأمين الأمن المائي والغذائي والطاقي، وتعزيز السيادة الرقمية والعلمية، وتحصين الأمن السيبراني، مع السعي إلى تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه في أفق 2031 عبر تقوية العرض المائي وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر ومضاعفة إنجاز السدود. وتزداد أهمية هذه الأولويات في ظل التقلبات المناخية والتحولات الجيوسياسية والاضطرابات التي يمكن أن تؤثر في سلاسل الإمداد. لكن نجاحها سيظل مرتبطا بكفاءة الاستثمار، وحسن تدبير الموارد، وترشيد الاستهلاك، والقدرة على تحويل البنيات التحتية إلى ضمانات فعلية للأمن المائي والغذائي والطاقي، لا مجرد مشاريع ذات كلفة مالية مرتفعة.
ويفرض البعد المجالي بدوره تدقيقا في الوعود المعلنة. فقد أشار البرلماني عبد العزيز باريك، في تقييم أولي للبرنامج، إلى أهمية التدابير المرتبطة بتحسين التغطية بالإنترنت في العالم القروي، وتبسيط مساطر البناء، وتوسيع الاستفادة من برامج دعم السكن، لكنه شدد على أن الحكم النهائي يظل رهينا بتفاصيل التنفيذ وآلياته. كما أثار تساؤلا بشأن مدى انعكاس الاهتمام بالعالم القروي في الهيكلة الحكومية. وتكشف هذه الملاحظة عن إشكال يتجاوز توزيع الاختصاصات الوزارية: فقد تتضمن البرامج الوطنية أهدافا موحدة، لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على مراعاة الفوارق بين الجهات والأقاليم. فالمواطن في منطقة قروية تعاني ضعف الخدمات لا يقيس التنمية بالمتوسط الوطني للنمو، وإنما بمدى توفر الطبيب والطريق والإنترنت والسكن اللائق وفرص النشاط الاقتصادي في محيطه.
ولا ينفصل كل ذلك عن الوعود المتعلقة بمحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة. فالبرنامج الحكومي يتحدث عن مواجهة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتحسين نجاعة الإنفاق، وتشديد الرقابة على الصفقات العمومية، مع توجيه حصة من الطلبية العمومية لفائدة المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة. وهذه التوجهات يمكن أن تشكل مدخلا مهما لاستعادة الثقة في المؤسسات، لكنها تطرح بدورها سؤال الأدوات القانونية والرقابية، ومدى تكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات، وقدرة أجهزة المراقبة على كشف التجاوزات وترتيب المسؤوليات. فمحاربة الفساد لا تختزل في إعلان موقف منه، بل تتطلب قواعد واضحة تطبق على الجميع، وشفافية في تدبير المال العام، ومحاسبة لا تتوقف عند حدود التصريحات.
سياسيا، تمنح الأغلبية الرباعية المكونة من 207 مقاعد للحكومة هامشا واسعا للعمل، لكنها تجعل العلاقة بين الأغلبية والمعارضة محكا إضافيا لجدية التجربة الجديدة. فكلما كانت الأغلبية متماسكة عدديا، ازدادت أهمية أن تتحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء لمناقشة الخيارات الحكومية وتفحص كلفتها وآثارها، لا مجرد محطة للمصادقة عليها. كما أن تعدد مكونات التحالف يفرض على الحكومة الحفاظ على الانسجام في تحديد الأولويات، وتوضيح المسؤوليات القطاعية، وتفادي تمييع المحاسبة بين الأحزاب المشاركة فيها. فالائتلاف الواسع قد يوفر الاستقرار اللازم لإنجاز الإصلاحات، لكنه لا يعفي رئيسة الحكومة والوزراء من مسؤولية النتائج، ولا ينبغي أن يجعل المعارضة خارج المعادلة الرقابية.
في المحصلة، يقدم البرنامج الحكومي الذي عرضته فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان طموحا يجمع بين النمو الاقتصادي، وضبط المالية العمومية، والدعم الاجتماعي، وإصلاح الخدمات، وتأمين السيادة الاستراتيجية. غير أن تعدد الالتزامات لا ينبغي أن يحجب السؤال المركزي: ما الأولويات التي ستترجم أولا إلى نتائج، وبأي موارد، وضمن أي آجال، وتحت مسؤولية من؟ هنا تحديدا يبدأ الفرق بين برنامج يبدو متكاملا على الورق وبرنامج قادر على تغيير الواقع.
لن يكون من الإنصاف الحكم على الحكومة الجديدة بالفشل أو النجاح منذ يوم تقديم برنامجها، كما لن يكون من المهنية اعتبار الأهداف المعلنة إنجازات تحققت بالفعل. المطلوب هو إخضاعها منذ البداية لمعيار واضح: نشر مؤشرات قابلة للقياس، وتحديد آجال التنفيذ والتمويل والمسؤوليات، وتقديم حصيلة دورية تسمح للبرلمان والرأي العام بتقييم التقدم والتعثر. وعندها فقط سيصبح ممكنا اختبار ما إذا كانت الأرقام المعلنة ستتحول إلى فرص شغل وخدمات عمومية أفضل وقدرة شرائية أقوى، أم ستظل وعودا مؤجلة إلى نهاية الولاية.
فالمواطن لا ينتظر من الحكومة أن تقنعه بأن النمو سيبلغ 5 في المائة، بقدر ما ينتظر أن يعرف ماذا سيغير هذا النمو في حياته. ولا ينتظر أن يسمع أن العجز والمديونية سيتراجعان، بقدر ما يريد أن يرى دولة أكثر كفاءة وعدالة في توزيع الموارد والفرص. لقد انتهى زمن تقديم البرنامج بوصفه غاية في حد ذاته؛ وبدأ زمن امتحانه أمام الواقع، حيث لا تمنح الأغلبية البرلمانية صك نجاح مسبقا، ولا تعوض لغة الأرقام أثر النتائج في حياة المغاربة.


