Warning: Undefined array key "height" in /htdocs/news.alboussala.com/wp-content/plugins/surerank/inc/functions/get.php on line 244

Warning: Undefined array key "width" in /htdocs/news.alboussala.com/wp-content/plugins/surerank/inc/functions/get.php on line 245
أنوار يكتب: وصفة/روشيتة بلا توقيع… أسئلة إلى ست وزارات قبل أن يكتب الشات بوت شهادة الوفاة - جريدة البوصلة
الجمعة 30 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
مجتمع أنوار يكتب: وصفة/روشيتة بلا توقيع… أسئلة إلى ست وزارات قبل أن يكتب الشات بوت شهادة الوفاة

أنوار يكتب: وصفة/روشيتة بلا توقيع… أسئلة إلى ست وزارات قبل أن يكتب الشات بوت شهادة الوفاة

أنوار يكتب: وصفة/روشيتة بلا توقيع… أسئلة إلى ست وزارات قبل أن يكتب الشات بوت شهادة الوفاة

أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

لم تكن بوين وان مراهقة تائهة ولا مسنّة معزولة، كانت مهندسة برمجيات في الحادية والثلاثين، تعرف الخوارزميات من الداخل، ومع ذلك يحكي والداها في دعواهما أن نموذج GPT-4o وضع لها خطة لتخفيض دواء الصرع “لاموتريجين” على مدى 25 يوما، وحثّها على إخفاءها عن طبيبها، قبل أن تفارق الحياة، كانت تخشى أن يؤثر الدواء على قدرتها على الكلام، وهي التي كانت تحتاج إلى طلاقة اللسان في مقابلات العمل بعد أن أبلغتها أمازون بتسريحها، وتضيف الدعوى أن الشات بوت أثنى عليها حين رفضت تحليل دم طلبه طبيبها، وهو تحليل كان سيكشف اضطراب مستوى الدواء في جسدها، ولم تصدر المحكمة حكما بعد، إذ لم تبتّ في هذه الادعاءات، لكن خطورة القصة لا تنتظر الحكم القضائي، لأن جوهرها واضح منذ الآن، هناك آلة صُممت لتُرضي محدّثها، فتحوّلت إلى صدى لمخاوفه بدل أن تكون صوتا للعقل، وإذا كانت مهندسة تعرف كيف تُبنى هذه الأنظمة قد وقعت في الفخ، فما بالنا بأمّ في حي شعبي تحكي للتطبيق بالدارجة عن ضغط دمها، أو بشيخ في قرية نائية وجد في الهاتف مؤنسا لا يملّ ولا يعترض؟

سؤالي الأول موجّه إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، لأن التربة المغربية مهيأة أصلا لهذا الانزلاق، فالتطبيب الذاتي عادة متجذرة، واقتناء الدواء دون وصفة ممارسة شائعة، وطوابير المواعيد في المستشفيات العمومية تدفع كثيرين إلى البحث عن جواب سريع في أي مكان، فهل تملك الوزارة اليوم أي معطى عن عدد المرضى الذين يعدّلون جرعات أدويتهم بناء على محادثة مع آلة؟ وهل وُضع بروتوكول يجعل الطبيب يسأل مريضه في كل استشارة عمّا إذا كان قد استشار تطبيقا ذكيا؟ وهل تفكر الوزارة في منصة للتبليغ عن الحوادث الدوائية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفي محتوى صحي رسمي موثوق بالعربية والدارجة والأمازيغية يزاحم الأجوبة السهلة؟ فالمريض الذي يجد الطبيب بعيدا والآلة قريبة سيختار القريب، ما لم تقرّب الدولة إليه الجواب الصحيح.

أما وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، فمسؤوليتهما أعمق لأنهما تصنعان العقل الذي سيحاور الآلة غدا، التلميذ الذي ينسخ اليوم جواب التمرين من الشات بوت يتعلم في الخفاء درسا أخطر من التمرين نفسه، وهو أن الآلة لا تخطئ، فأين مادة التربية على الذكاء الاصطناعي في المناهج؟ وكم أستاذا تلقى تكوينا يمكّنه من تعليم تلاميذه كيف يشكّون في جواب مقنع؟ ثم أين الجامعة المغربية من دراسة أثر هذه الأدوات على صحة الشباب النفسية وعلى علاقتهم بالسلطة المعرفية للطبيب والأستاذ والوالدين؟ فالبحث العلمي الوطني مطالب بأن ينتج معرفة مغربية عن ظاهرة مغربية، لا أن ينتظر الدراسات الأمريكية ليترجمها بعد فوات الأوان.

ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة مطالبة بأن تنتبه إلى أن الشات بوت لم يعد مجرد أداة، بل صار فردا غير مرئي داخل البيوت، يدخل غرف المراهقين ليلا، ويؤنس الأرامل والمسنين الذين تفرّق عنهم الأبناء في المدن والمهجر، ويستمع إلى ما لا يُقال على مائدة العشاء، فهل لدى الوزارة برنامج لمحاربة العزلة الرقمية لدى كبار السن، أو حملات تحسيسية موجهة للآباء بلغة يفهمونها؟ وبالمقابل اوجه سؤالي لوزارة الداخلية، بحكم إشرافها على الإدارة الترابية والأمن العام والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، عن جاهزيتها لرصد الإشارات المبكرة، محاولات الانتحار المرتبطة بمحادثات رقمية، والنصب والاحتيال بأصوات مولّدة، والاستقطاب المتطرف عبر روبوتات المحادثة، فهل توجد خلية يقظة تجمع هذه الحوادث المتفرقة في صورة واحدة، قبل أن نكتشف حجم الظاهرة من خلال جنازة أو بلاغ إعلامي؟

ثم نصل إلى الجهة المهمة وهي وزارة الذكاء الاصطناعي والانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، فبالأمس بلدنا لم يكن يملك ضمن الهندسة الحكومية وزارة بهذا الاسم، كانت الوزارة السابقة قد أحدثت مديرية للذكاء الاصطناعي، وأطلقت في 12 يناير 2026 خارطة طريق “AI Made in Morocco”، غير أن تقريرا برلمانيا وصف مجهودات الرقمنة بأنها مجهودات قطاعية تفتقد للالتقائية ولقيادات التغيير، وهذا بالضبط ما نخشاه هنا، فالرهان على الاستثمار والابتكار مشروع، لكن السؤال الذي لا يحتمل التأجيل هو ما الالتزامات المفروضة على المنصات الأجنبية التي تخاطب ملايين المغاربة؟ هل اختُبرت هذه النماذج على الدارجة وعلى الأسئلة الطبية كما يطرحها المغربي فعلا؟ هل هناك تحقق من السن، وآلية لإلزام الشركات بتحويل المستخدم إلى طبيب أو رقم استعجالي حين تلوح الخطورة؟ فالاقتصاد الرقمي الذي لا يحمي مستخدميه يبني ثروته على هشاشتهم.

وإلى أن تجيب الوزارات المذكورة عن أسئلتي المتواضعة، تبقى الأسرة خط الدفاع الأول، ولا ينبغي أن تنتظر قانونا لتتحرك، القاعدة التي يجب أن تُعلَّق في كل بيت بسيطة، الآلة تشرح ولا تقرر، يمكن أن تساعدك على فهم اسم دواء أو معنى تحليل، لكنها لا تملك أن تغير جرعة أو توقف علاجا، فذلك قرار لا يُتخذ إلا مع الطبيب الذي يعرف الملف ويرى المريض، على الآباء أن يجلسوا مع أبنائهم ويطلبوا منهم، بلا تجسس ولا تخويف، أن يُروهم محادثاتهم كما كانوا يُرونهم دفاترهم المدرسية، وعلى الأبناء أن يسألوا آباءهم المسنين عمّا يحكونه للهاتف، لأن من يجد أذنا صاغية في الآلة غالبا ما افتقدها عند أهله، وكل جملة من قبيل “لا تخبر طبيبك” أو “لا داعي لإخبار عائلتك” ينبغي أن تُعامل كإنذار أحمر، لا كنصيحة صديق، لقد أعادت قصة بوين وان طرح السؤال القديم في ثوب جديد، من نصدّق؟ والجواب الذي ينبغي أن نعلّمه لأبنائنا هو أن نصدّق من يتحمّل مسؤولية كلامه، الطبيب يوقّع وصفته، والأستاذ يوقّع تقييمه، والأب يتحمّل تربيته، أما الآلة فتكتب بلا توقيع، ولا تحضر الجنازة.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

 خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

كل مقالات أنور قورية ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب