أنوار يكتب: عينٌ لا تضلّ الطريق بين الأشجار… هل آن أوان الدرون الذكي لحراسة غاباتنا وسواحلنا؟
في الوقت الذي تتسارع فيه الابتكارات التكنولوجية عبر العالم، كشف باحثون في جامعة Purdue الأمريكية عن طائرة مسيّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي، قادرة على تتبع شخص يركض وسط غابة كثيفة دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع GPS ودون أي اتصال بشبكة الإنترنت، ابتكار يبدو للوهلة الأولى إنجازا مخبريا بحتا، غير أنه يطرح في السياق المغربي سؤالا ملحا يستحق أن يُوجَّه بوضوح إلى الوزارة الوصية على قطاع المياه والغابات ومحاربة التصحر (المندوبية السامية/الوكالة الوطنية)، وإلى جهاز الدرك الملكي، إلى أي حد يمكن الاستعانة بهذه التقنية لحماية ثروتنا الغابوية وتأمين فضاءاتنا الساحلية من الأنشطة غير المشروعة؟
تقوم هذه المسيّرة على منظومة متكاملة تجمع بين الكاميرات وأجهزة الاستشعار وتقنية LiDAR، التي تمكّنها من بناء خريطة ثلاثية الأبعاد للمحيط الذي تتحرك فيه، ورصد الأشجار والعوائق وتفاديها بشكل تلقائي، والأكثر لفتا للانتباه أن جميع عمليات المعالجة تتم داخل الطائرة نفسها، كما أنها لا تكتفي بملاحقة الهدف المرئي، بل تتنبأ باتجاه حركته وتواصل تعقبه حين يختفي مؤقتا خلف الأغصان والصخور، بدل أن تفقده بمجرد خروجه من مجال الرؤية، وهي خصائص تجعلها مهيأة للعمل في البيئات الوعرة والمعزولة التي تضعف فيها التغطية وتعجز فيها وسائل المراقبة التقليدية.
وتكتسي هذه القدرات أهمية بالغة بالنسبة للمجال الغابوي الوطني، الذي يتعرض بشكل متواصل لاعتداءات متعددة، من القطع الجائر للأشجار وسرقة الأخشاب والفحم، إلى الرعي غير المنظم وإشعال النار في مناطق حساسة، وكثيرا ما تكون هذه الأفعال مقدمة لحرائق مدمرة تلتهم آلاف الهكتارات، فتسرّع وتيرة تدهور التربة وتدفع بمساحات واسعة نحو التصحر، ومن شأن طائرات مسيّرة من هذا الجيل أن تمنح أعوان المياه والغابات عينا يقظة قادرة على رصد المخالفين داخل الغطاء الكثيف، وتتبع تحركاتهم إلى حين تدخل الفرق الميدانية، بما يعزز عنصر الردع ويقلص زمن الاستجابة في لحظات تكون فيها كل دقيقة حاسمة، وفي الاتجاه ذاته، يمكن لهذه التقنية أن تشكل إضافة نوعية لعمل الدرك الملكي في التصدي لشبكات الهجرة السرية، خاصة أن عددا من الفضاءات الغابوية المحاذية للسواحل تحولت إلى نقاط تجمع واختباء ومنطلق نحو البحر عبر ما بات يُعرف بقوارب الموت، فصعوبة التضاريس وكثافة الأشجار وضعف الإنارة ليلا كلها عوامل يستغلها المهربون للإفلات من المراقبة، وهنا تبرز قيمة طائرة بدون طيار لا تحتاج إلى إشارة GPS ولا إلى اتصال بالانترنت، تستطيع التحرك بين الأشجار ورصد التحركات المشبوهة وتتبعها، بما يساعد على تفكيك هذه الشبكات وإنقاذ أرواح كثيرة قبل أن تبتلعها الأمواج.
غير أن الانتقال من الإعجاب بهذه التقنية إلى توظيفها الفعلي يتطلب رؤية مؤسساتية واضحة، تبدأ بإطلاق دراسات جدوى ومشاريع تجريبية في المناطق الأكثر هشاشة، وتمر عبر تكوين أطر متخصصة في قيادة هذه الدرونات الذكية وتحليل معطياتها، وصولا إلى إرساء شراكات مع الجامعات ومراكز البحث الوطنية لتطوير حلول ملائمة للخصوصية المغربية، كما أن اعتماد هذه الأدوات ينبغي أن يتم في إطار قانوني يضمن احترام المعطيات الشخصية وحماية الفضاء العام والخاص، حتى تظل المراقبة وسيلة لحماية المجال والإنسان لا مدخلا للمس بالخصوصية.
إن كلفة اقتناء هذه التكنولوجيا تبقى ضئيلة إذا ما قورنت بالخسائر الفادحة التي تخلفها حرائق الغابات كل صيف، وبالمآسي الإنسانية التي تحصدها رحلات الهجرة غير النظامية، ولذلك فإن الضرورة لم تعد تسمح بالتردد، بل تفرض على القطاعات الوصية التحرك بخطى استباقية لإدماج الذكاء الاصطناعي وانترنت الاشياء والطائرات المسيّرة في منظومة المراقبة والحماية، فالغابة التي نحرسها اليوم بأدوات الأمس قد لا نجدها غدا، والسؤال الحقيقي لم يعد هل نحتاج إلى هذه التقنية، بل متى نبدأ في استعمالها.


