أخلاقُ السكونِ في عصرِ الصخب
تخيَّلْ سفينةً تشقُّ عبابَ بحرٍ هادر، لا تهدأ أمواجُه ولا تنقشعُ سُحُبُه، وفي قمرة القيادة عشراتُ الشاشات تومضُ بالأرقام والإشعارات، وصافراتٌ تتعالى من كلِّ صوب، حتى لم يعُدِ الربّانُ يسمعُ همسَ البوصلة الهادئ وهو يشيرُ إلى الشمال. تلك السفينةُ — إنْ شئتَ الصراحةَ — هي حياتُنا اليوم، وذلك الضجيجُ هو ضجيجُ عصرٍ جعلَ من الصمتِ ترفاً، ومن السكينةِ شذوذاً، ومن الوقوفِ لحظةً مع النفسِ مضيعةً لا تُغتفر.
فمتى فقدَتِ البوصلةُ صمتَها، ضلّتِ السفنُ مساراتِها، وتاهَ المسافرون بين أمواجٍ لا ترحمُ وأنواءٍ لا تهدأ.
ضجيجٌ يُغرقُ الموانئ
نعيشُ اليومَ في عصرٍ لم يشهدِ التاريخُ البشريُّ مثيلاً لضجيجه. لم يعُدِ الخطرُ يأتي من عواصفَ خارجيةٍ تهددُ سفنَنا بالغرق فحسب، بل صارَ يأتي من داخلِ القمرةِ ذاتِها: من شاشاتٍ لا تنطفئ، وإشعاراتٍ لا تكفُّ عن القرع، وأخبارٍ تتدفقُ كسيلٍ جارفٍ لا يميّزُ بين الغثِّ والسمين. صارَ الإنسانُ المعاصرُ كالبحّارِ الذي يحملُ في يدهِ بوصلةً واحدةً لكنه يحدقُ في خمسينَ شاشة، فلا البوصلةُ نفعَتْ ولا الشاشاتُ أرشدَتْ.
ولعلَّ أخطرَ ما في هذا الضجيجِ أنه لم يعُدْ يُزعجُنا. لقد تآلفْنا مع الضوضاءِ حتى صارَ الصمتُ هو المريبَ، والهدوءُ هو المقلقَ. إذا خلا أحدُنا إلى نفسهِ خمسَ دقائق، سارعتْ يدُهُ إلى جيبهِ يستلُّ هاتفَهُ كأنما يفرُّ من وحشةٍ لا تُطاق. صرنا نخافُ الفراغَ أكثرَ من الامتلاء، ونخشى السكونَ أكثرَ من العواصف، ونملأُ كلَّ ثغرةٍ في نهارِنا بصوتٍ أو صورةٍ أو تمريرٍ لانهائيٍّ على شاشاتٍ لا تشبع.
والأخطرُ من ذلك كلِّه أنَّ هذا الضجيجَ صارَ يُشكّلُ أخلاقَنا دونَ أن نشعر. فالإنسانُ الذي لا يهدأُ لا يتأمّل، والذي لا يتأمّلُ لا يُحاسبُ نفسَه، والذي لا يُحاسبُ نفسَه ينساقُ مع التيارِ حيثُ شاءَ التيار. فتجدُهُ يُشاركُ في كلِّ جدالٍ بلا تروٍّ، ويُنشرُ كلَّ خبرٍ بلا تثبّت، ويصدرُ كلَّ حكمٍ بلا رويّة، كأنَّ لسانَهُ أسبقُ من عقلِه، وردَّ فعلِهِ أسرعُ من ضميرِه. وحين تغيبُ السكينةُ تغيبُ معها فضائلُ الحلمِ والأناةِ والإنصاف، وتطفو على السطحِ رذائلُ التسرّعِ والتعصّبِ والسطحية.
وقد صدقَ القرآنُ الكريمُ حين وصفَ حالَ القلوبِ القلقةِ بالوصفِ الشافي، فقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. والطمأنينةُ هنا ليست رفاهيةً روحيةً يُمنَحُها الزاهدون في صوامعهم، بل هي حاجةٌ وجوديةٌ للإنسانِ كلِّ الإنسان، كحاجةِ السفينةِ إلى مرساةٍ تثبتُها حين تعصفُ بها الرياح. فبدونِ هذه المرساة، تدورُ السفينةُ في حلقةٍ مفرغة، تظنُّ أنها تسيرُ وهي في مكانِها تدور.
السكينةُ: مرساةٌ لا زينة
السكينةُ في القرآنِ الكريمِ هبةٌ إلهيةٌ تُنزَّلُ على القلوبِ لا على الجوارح، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. فتأمّلْ كيف جعلَ اللهُ السكينةَ سبباً لزيادةِ الإيمان، لا ثمرةً متأخرةً له. فالقلبُ الساكنُ هو القلبُ القادرُ على الاستبصار، والعينُ الهادئةُ هي العينُ التي تُبصرُ النجومَ في ليلٍ دامس. أما القلبُ المضطربُ فكأنه بحرٌ هائجٌ تعكسُ أمواجُهُ صوراً مشوّهةً للسماء.
ولقد فطنَ أربابُ السلوكِ من أعلامِ التصوفِ المغاربيِّ والمشرقيِّ إلى هذه الحقيقةِ قبلَ قرون، فعاشوها وعلّموها لا نظريةً مجردةً بل تجربةً حيّةً نابضة. فهذا العارفُ بالله ابنُ عطاءِ الله السكندريُّ يقولُ في حكمهِ المأثورة:
لا يسكنُ إلى اللهِ إلّا مَن سكنَ عن طلبِ ما ليس عنده، فمتى سكنتَ عن طلبِ ما عندَ غيرهِ أمدّكَ بما عندَه.
فتأمّلْ هذا الربطَ العميقَ بين السكونِ عن الطمعِ والسكونِ إلى الله. إنَّ كثيراً من ضجيجِنا الداخليِّ ليسَ سوى ضوضاءِ الرغباتِ التي لا تنتهي: نريدُ المزيدَ من الشهرة، والمزيدَ من المال، والمزيدَ من الإعجابات، والمزيدَ من التأكيدات، حتى صارتْ نفوسُنا كسوقٍ مزدحمةٍ لا تغلقُ أبوابَها ليلاً ولا نهاراً، وكلُّ تاجرٍ فيها ينادي بصوتٍ أعلى من جاره.
أما أبو الحسنِ الشاذليُّ، إمامُ الطريقةِ الشاذليةِ وشيخُ المغاربةِ والمشارقة، فقد كانَ يُوصي مريديهِ بأن يكونَ ذكرُهم في الأسواقِ لا في الزوايا فحسب، وأن تكونَ سكينتُهم في خضمِّ الحياةِ لا على هامشِها. فالسكينةُ عندهُ ليستِ انقطاعاً عن العالم، بل حضوراً واعياً في وسطِ العالم. ليستِ هروباً من الأمواج، بل ثباتاً في قلبِ العاصفة. وهي ليست زينةً تُعلَّقُ على جدرانِ الزوايا، بل مرساةً تُرمى في أعماقِ القلبِ لتمنعَ السفينةَ من الانجراف.
خلوةُ القلبِ في زحامِ السوق
هنا يبرزُ السؤالُ الملحُّ: كيف نعيشُ السكينةَ في عصرٍ لا يرحم؟ كيف نجدُ مرساةً في بحرٍ لا يهدأ؟ هل نتركُ أعمالَنا ونعتزلُ الناسَ ونلجأُ إلى الكهوفِ والجبال؟
الجوابُ الذي يُقدّمُهُ لنا التراثُ الصوفيُّ المغربيُّ والمغاربيُّ جوابٌ عمليٌّ واقعيٌّ، صادقٌ لا متكلّف، عميقٌ لا متقعّر. فالخلوةُ المطلوبةُ اليومَ ليست خلوةَ الجسدِ عن الناس، بل خلوةَ القلبِ عن الضجيج. أن تكونَ بينَ الناسِ وقلبُكَ ساكن، وأن تسيرَ في السوقِ وروحُكَ في حضرةِ الله، وأن تحملَ هاتفَكَ بيدٍ وتُمسكَ بذكرِ اللهِ بيدٍ أخرى.
يقولُ سيدي أبو مدينٍ شعيبٌ الغوثُ، قطبُ المغربِ الأقصى وشيخُ الشيوخ:
الخلوةُ رأسُ مالِ الفقير، ومَن لم يخلُ بنفسهِ عن الأكوانِ لم يذقْ حلاوةَ الإيمان.
والخلوةُ عندَ أبي مدينٍ ليستِ اعتزالاً دائماً ولا انقطاعاً أبديّاً، بل هي لحظاتُ انقطاعٍ قصيرةٍ يتجرّدُ فيها القلبُ من شواغلِ الدنيا ليعودَ إليها أنقى وأقوى. كأنها تلك اللحظةُ التي يُطفئُ فيها الربّانُ شاشاتِ القمرةِ لدقيقةٍ واحدةٍ ليستمعَ إلى همسِ البوصلة، ثم يعودُ إلى قيادتهِ ببصيرةٍ أصفى ومسارٍ أدقّ.
وللإمامِ أحمدَ زروقٍ الفاسيِّ، صاحبِ القواعدِ الشهيرةِ في التصوفِ والتوحيد، توجيهٌ بليغٌ يجمعُ بين الفقهِ والسلوك، إذ يُقرّرُ أن الطمأنينةَ لا تتحقّقُ إلا بمجاهدةِ النفسِ على السكونِ في مواطنِ الحركة، وعلى الصمتِ في مواطنِ الضوضاء. فالسكينةُ عندهُ رياضةٌ أخلاقيةٌ تُمارَسُ كلَّ يوم، لا حالةٌ استثنائيةٌ تنتظرُها في نهايةِ العمر.
وقد أرشدَنا النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى حين قال: ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلونَ كتابَ اللهِ ويتدارسونَهُ بينهم إلّا نزلتْ عليهمُ السكينةُ، وغشيتْهمُ الرحمةُ، وحفّتْهمُ الملائكةُ، وذكرَهُمُ اللهُ فيمَن عندَهُ (رواه مسلم). فتأمّلْ كيف جعلَ النبيُّ ﷺ السكينةَ ثمرةً مباشرةً للذكرِ والتلاوة، تنزلُ الآنَ وهنا، لا مكافأةً مؤجّلةً في الآخرةِ فحسب.
ميثاقُ السكينة
وحتى لا يبقى الكلامُ تنظيراً بلا تطبيق، أقترحُ — متواضعاً — ميثاقاً عمليّاً للسكينةِ في هذا العصرِ الصاخب، مستلهَماً من تراثِ أعلامِ التصوفِ ومُكيَّفاً لواقعِنا المعاصر:
أولاً: اجعلْ لنفسِكَ مرفأً يوميّاً. خمسُ دقائقَ في الصباحِ أو المساءِ تنقطعُ فيها عن كلِّ شاشةٍ وصوت، تجلسُ فيها مع نفسِكَ ومع ربّكَ، تذكّرُ أو تتأمّلُ أو تصمتُ فحسب. فالسفينةُ التي لا ترسو يوماً تتعبُ أخشابُها وتتشقّقُ ألواحُها.
ثانياً: قلّلْ من ضجيجِ القمرة. أخفِضْ عددَ الإشعاراتِ في هاتفِكَ إلى أدنى حدٍّ ممكن، واخترْ أوقاتاً محدّدةً لتفقّدِ الأخبارِ ووسائلِ التواصل، ولا تجعلْ بابَ القمرةِ مفتوحاً لكلِّ ريحٍ عاتية.
ثالثاً: مارسِ الذكرَ في السوق. لا تنتظرْ أن تتفرّغَ للعبادةِ يوماً ما، بل اجعلْ ذكرَ اللهِ رفيقَكَ في الطريقِ وفي العملِ وفي طوابيرِ الانتظار. فالشاذليُّ لم يكنْ يأمرُ مريديهِ بتركِ الأسواق، بل بأن يذكروا اللهَ فيها بقلوبٍ حاضرة.
رابعاً: تدرّبْ على الصمتِ الإيجابي. ليس الصمتُ خرساً ولا سلبيةً ولا ضعفاً، بل هو إصغاءٌ عميقٌ لصوتِ البوصلةِ الداخلية. جرّبْ أن تصمتَ في مجلسٍ كان يمكنُكَ أن تتكلّمَ فيه، وأن تُنصتَ حين كان يمكنُكَ أن تجادل. فالصمتُ مرآةُ القلب، وفي المرآةِ ترى ما لا تراهُ في غبارِ الضجيج.
أيها القارئُ الكريم، أيتها القارئةُ الكريمة،
إنَّ البوصلةَ لم تتغيّر، والشمالَ لم ينتقلْ، والقبلةَ لم تتبدّل. الذي تغيّرَ هو الضجيجُ من حولِنا والضوضاءُ في داخلِنا. وما أحوجَنا اليومَ — ونحنُ نبحرُ في بحرٍ متلاطمٍ من المعلوماتِ والانفعالاتِ والأزمات — إلى أن نعودَ إلى تلك البوصلةِ الهادئةِ التي زرعَها اللهُ في فطرةِ كلِّ إنسان، فنُنصتَ إليها بقلوبٍ ساكنةٍ ونفوسٍ مطمئنة، لا ننتظرُ أن يهدأَ البحرُ من حولِنا بل نطلبُ أن يسكنَ البحرُ الذي في داخلِنا.
أسألُ اللهَ تعالى أن يُنزلَ السكينةَ في قلوبِنا، وأن يُثبّتَ أقدامَنا على جادّتِه، وأن يجعلَنا من الذين يستمعونَ القولَ فيتّبعونَ أحسنَه، وأن يُعيذَنا من ضجيجٍ يُصمُّ الآذانَ ويُعمي البصائر، ومن غفلةٍ تُبعدُنا عن مرساةِ الطمأنينةِ وميناءِ الأمان.
وإلى لقاءِ الأسبوعِ القادم، بإذنِ الله.


