مفارقة في زمن الذكاء الاصطناعي
بينما يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي والمدفوعات اللحظية عبر الهاتف، يجد عدد من مغاربة العالم والسياح القادمين إلى مدن السعيدية ورأس الماء أنفسهم أمام مشهد مغاير: محلات تجارية، ومقاهٍ، ومطاعم، لا تتوفر على أبسط وسيلة للأداء الإلكتروني. هذه المفارقة، التي قد تبدو تفصيلاً بسيطاً للزائر العابر، تحوّلت في الأشهر الأخيرة إلى موضوع شكوى متكررة بين السياح الأجانب ومغاربة العالم الذين اعتادوا في بلدان إقامتهم على أداء فواتيرهم بالبطاقة البنكية أو عبر تطبيقات الهاتف، دون حاجة لحمل النقود.
شهادات الزوار: “لم أتوقع أن أبحث عن صراف آلي في كل زاوية”
يشتكي عدد من الزوار من أنهم يقتنون وجبتهم أو مشترياتهم اليومية، ليُفاجَؤوا عند طلب الأداء بالبطاقة بأن صاحب المحل لا يتوفر على جهاز أداء إلكتروني (TPE)، وأن الخيار الوحيد المتاح هو النقد. وتتكرر هذه الوضعية بشكل خاص في:
- المطاعم والمقاهي الصغيرة والمتوسطة، حيث لا تزال آلة الأداء البنكي غائبة عن كثير من الواجهات.
- الدكاكين ومحلات القرب، التي تشكل العمود الفقري للتجارة اليومية في هذه المدن.
- بعض المحلات السياحية بمحطة السعيدية، رغم الطابع الاستقبالي للمدينة الذي يفترض توفر خدمات ملائمة لزوارها الأجانب.
هذا الوضع يضع الزائر أمام خيارين لا يخلوان من إزعاج: إما البحث عن أقرب صراف آلي لسحب النقود، أو التخلي عن الشراء، وكلاهما ينعكس سلباً على تجربته وعلى صورة الوجهة السياحية ككل.
لماذا لا تزال بعض المحلات بمنأى عن الرقمنة؟
قبل إصدار الأحكام، تجدر الإشارة إلى أن غياب أجهزة الأداء الإلكتروني لدى بعض التجار، خصوصاً الصغار منهم، لا يعود بالضرورة إلى تعنت أو تجاهل، بل ترتبط أسبابه بعوامل موضوعية عدة، من أبرزها:
- كلفة العمولات البنكية التي كانت تُحتسب على كل عملية أداء بالبطاقة، وهو ما جعل بعض التجار يفضلون النقد تفادياً لتحمل رسوم إضافية.
- ضعف التكوين والمواكبة التقنية لفائدة صغار التجار فيما يخص كيفية التعاقد مع مؤسسات الأداء واستعمال الأجهزة.
- الطابع الموسمي للنشاط التجاري في مدن مثل السعيدية، حيث يتردد بعض التجار في تحمل تكاليف تعاقدات سنوية مقابل نشاط يتركز في أشهر الصيف.
- التمركز التاريخي للسوق في يد مُشغّل واحد لأجهزة الأداء، وهو ما حدّ من المنافسة وأبقى الأسعار مرتفعة نسبياً بالنسبة لفئة تجار القرب.
إصلاح بنكي في الطريق: هل يطوي هذا الملف صفحته؟
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن بنك المغرب شرع فعلياً في معالجة هذا الإشكال على المستوى الوطني. فبموجب القرار التنظيمي رقم 265/و/2026 الصادر في 6 يوليوز 2026، <cite index=”2-1″>قرر بنك المغرب خفض سقف رسوم التبادل الخاصة بعمليات الأداء المحلية بالبطاقات البنكية من 0.65 في المائة إلى 0.50 في المائة، على أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح أكتوبر 2026</cite>. والأهم من ذلك بالنسبة لتجار القرب تحديداً، فقد <cite index=”4-1″>حدد سقفاً خاصاً لرسوم التبادل لا يتجاوز 0.15 في المائة بالنسبة لخدمات الحكومة الإلكترونية والمعاملات المنجزة لدى تجار القرب</cite>، في إطار تشجيع استخدام وسائل الأداء الإلكتروني.
كما <cite index=”1-1″>يمنع بنك المغرب التجار من تحميل رسوم الأداء الإلكتروني للزبناء</cite>، وهي ممارسة كانت منتشرة سابقاً وتدفع بعض المستهلكين، وحتى التجار، إلى تفضيل التعامل النقدي. ويأمل مسؤولو البنك المركزي أن <cite index=”1-1″>يسهم هذا الإجراء في تعزيز انتشار أجهزة الأداء الإلكتروني لدى التجار، خاصة صغار التجار</cite>.
على صعيد آخر، شهد سوق الأداء الإلكتروني بالمغرب تحولاً بنيوياً هاماً، إذ <cite index=”9-1″>انتقلت المنظومة من نموذج يعتمد على جهة اقتناء إلكتروني واحدة إلى بنية قائمة على تعدد جهات الاقتناء</cite>، وهو ما يُنتظر أن يعزز المنافسة ويخفض التكاليف على التجار. ومع ذلك، يبقى تحدي التعميم قائماً، إذ <cite index=”5-1″>يطالب مهنيون بتوفير أجهزة الأداء الإلكتروني مجانا، إلى جانب برامج للتكوين والمواكبة، لتسهيل اندماج أصحاب المحلات الصغيرة في المنظومة الرقمية</cite>.
الجهة الشرقية بين رهان السياحة ورهان الرقمنة
لا يمكن فصل هذا الملف عن الرهانات الكبرى التي تراهن عليها الجهة الشرقية، من مشروع محطة السعيدية السياحية إلى الديناميكية الاقتصادية التي تعرفها بركان وأحفير كأقطاب استقطاب للاستثمار والزوار، خصوصاً مع اقتراب موعد كأس العالم 2030 الذي ستستضيفه المغرب. فالزائر الأجنبي أو مغربي العالم، الذي بات الدفع الإلكتروني بالنسبة إليه سلوكاً يومياً معتاداً وليس رفاهية، يقيس مدى جاهزية الوجهة السياحية بمدى انسجامها مع هذا السلوك. وكل تجربة سلبية في هذا الباب، مهما بدت صغيرة، تترك أثراً في الانطباع العام عن الجهة وعن جاهزيتها لاستقبال تدفق سياحي أكبر في السنوات المقبلة.
في المقابل، يرى البعض أن المبالغة في تصوير الأمر كأزمة قد لا تكون منصفة تماماً، فالتحول الرقمي في التجارة مسار تراكمي يستغرق وقتاً حتى في دول متقدمة، وأن المؤشرات الأخيرة الصادرة عن بنك المغرب تعكس إرادة حقيقية لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي أعاقت التعميم، لا مجرد تجاهل للملف.
كلمة أخيرة
بين شكوى الزوار المشروعة وواقع صغار التجار الذين تحكمهم اعتبارات اقتصادية وتقنية، يبقى التحدي الحقيقي أمام الجهة الشرقية هو تسريع وتيرة تعميم أجهزة الأداء الإلكتروني، خصوصاً في المدن ذات الطابع السياحي، بالتوازي مع الإصلاحات الوطنية التي بدأ بنك المغرب تفعيلها والتي ستدخل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح أكتوبر 2026. فنجاح هذه الإصلاحات على المستوى الوطني لن يكتمل أثره ما لم يُترجَم على أرض الواقع في كل دكان ومقهى ومطعم بالسعيدية وبركان وأحفير ورأس الماء.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
