لم يحتج محمد العلوي، المعروف لدى المغاربة بـ«با العلوي»، إلى منبر رسمي أو خطاب ديني تقليدي حتى يترك بصمته في الذاكرة الشعبية؛ فقد اختار لنفسه طريقا مختلفا في الوعظ، جعل من العفوية والفكاهة واللغة اليومية أدوات للتواصل مع الجمهور. كان يقدم نفسه ببساطة باعتباره «واعظا شعبيا»، لا إماما ولا عالما، ويحوّل المواقف والحكايات والنكت إلى مداخل لتمرير رسائل دينية وأخلاقية، في أسلوب جعل مجالسه ومقاطعه المتداولة لاحقا على الإنترنت مختلفة عن الصورة المألوفة للخطاب الوعظي. ومن مدينة فاس، حيث وُلد وتلقى تعليمه بالعربية والفرنسية وحفظ القرآن، إلى الرباط حيث استقر، راكم تجربة شخصية اعتمد فيها أيضا على القراءة ومجالسة العلماء وتثقيف الذات، كما عاش فترة من حياته في أوروبا قبل أن يعود إلى المغرب، وينتقل يوم أمس الإثنين 17 غشت الجاري، إلى جوار ربه عن عمر ناهز 82 سنة.
كانت قوة «با العلوي» الأساسية في طريقة بناء اللحظة الوعظية أكثر مما كانت في مضمون الموعظة وحده؛ يبدأ من قصة أو موقف مألوف، يستدرج مستمعيه إلى الضحك، ثم يعيد توجيه الانتباه نحو فكرة دينية أو سلوكية يريد تثبيتها في أذهانهم. ولم تكن الفكاهة عنده مجرد استعراض، بل وسيلة لتقليص المسافة بين الواعظ والجمهور، وهو ما يفسر حضوره في الأعراس والعقائق والمناسبات والتجمعات الشعبية، حيث كان يتحدث بلغة قريبة من الناس ويستعين بحركات الجسد وتغيير نبرة الصوت والتعابير الشعبية لصناعة تواصل مباشر معهم. وقد ساهم هذا الأسلوب في انتشار مقاطعه على الإنترنت، خصوصا مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت عباراته وطريقته في الحديث إلى مادة يتداولها المغاربة على نطاق واسع، وأصبح حضوره الرقمي امتدادا لشهرته التي صنعها في المجالس.
وراء الصورة الفكاهية، تكشف تجربة «با العلوي» عن نموذج مختلف للواعظ الشعبي في المغرب؛ نموذج راهن على تبسيط الخطاب الديني وربطه بتجارب الناس اليومية، بدلا من تقديمه في لغة اصطلاحية ثقيلة. وهذا ما منح شخصيته قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، لكنه جعلها أيضاً مثار نقاش وانتقاد بسبب بعض المواضيع والطريقة المباشرة التي كان يتناول بها قضايا حساسة. ومع ذلك، يبقى الأبرز في تجربته أنه أدرك مبكرا أن وصول الفكرة لا يتوقف على ما يُقال فقط، بل على كيفية قوله ولمن يُقال؛ فحين تتحول الموعظة إلى حكاية، والنصيحة إلى موقف، والرسالة إلى لحظة ضحك يتذكرها المستمع، يصبح الخطاب أكثر قابلية للبقاء في الذاكرة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «با العلوي» باعتباره واحدا من الوعاظ الشعبيين الذين صنعوا لأنفسهم أسلوبا تواصليا خاصا، ثم وجد هذا الأسلوب حياة جديدة في العصر الرقمي.
