شعار جريدة البوصلة

سبتة بعد «العبور الكبير»: من أزمة هجرة عابرة إلى اختبار حقوقي وسياسي شامل للعلاقات المغربية الإسبانية

whatsapp image 2026 08 18 at 21.11.06

لم تعد سبتة، منذ نهاية يوليوز الماضي، مجرد نقطة حدودية ساخنة في غرب المتوسط، بل تحولت إلى مسرح لأكبر أزمة هجرة تشهدها المدينة منذ سنوات، وإلى اختبار معقد للمغرب وإسبانيا معاً. ففي 30 يوليوز، اندفع أكثر من 70 ألف شخص نحو المدينة خلال فترة وجيزة، وفق تقديرات إسبانية، في واحدة من أضخم عمليات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، قبل أن يعود معظم العابرين إلى المغرب. لكن وراء الرقم الهائل تختبئ أزمة إنسانية أكثر تعقيداً: وفيات غرقاً، مفقودون، قاصرون غير مصحوبين، مصابون، اعتقالات، واكتظاظ في مرافق الاستقبال. وتختلف حصيلة الضحايا بين الجانبين؛ إذ تحدثت السلطات الإسبانية عن عشرات الوفيات، بينما سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان 46 وفاة، في مقابل 80 وفاة أعلنت عنها سلطات سبتة آنذاك، فيما رفعت معطيات رويترز العدد المؤكد إلى 94 وفاة، مع استمرار الحديث عن مفقودين. وهذا التباين في الأرقام لا يقلل من حجم المأساة، بل يكشف صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية في أزمة جرت بسرعة وعلى مسارات برية وبحرية متزامنة.

من «حكم قضائي» إلى موجة بشرية

لفهم ما حدث، لا يكفي البحث عن تفسير واحد في الفقر أو البطالة أو الرغبة في الوصول إلى أوروبا. فقد سبق موجة 30 يوليوز انتشار واسع لمضامين رقمية أوحت بأن الطريق إلى سبتة أصبح أكثر سهولة، مستندة، في جزء منها، إلى قراءة غير دقيقة لحكم للمحكمة العليا الإسبانية. ففي 29 يونيو 2026 أصدرت المحكمة العليا الإسبانية الحكم رقم 814/2026، الذي أكد أن آلية «الإعادة الفورية» لا تنطبق على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، لأنهم لم يتجاوزوا حاجزاً مادياً من حواجز الحدود؛ وهو حكم يتعلق بآلية الإرجاع الفوري، وليس قراراً يمنح حق الدخول إلى إسبانيا أو إقامة تلقائية فيها. غير أن هذا التفصيل القانوني تحول على شبكات التواصل إلى رسالة مختلفة تماماً؛ إذ رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ يوليوز مضامين تزعم أن «الحدود مفتوحة» وأن من يصل إلى سبتة سباحة لا يمكن إرجاعه، كما وثق رسائل عبر واتساب دعت الشباب والقاصرين إلى التوجه جماعياً إلى معبر سبتة. ويرى المجلس أن المنصات الرقمية لم تكن مجرد فضاء لنشر الشائعة، بل لعبت دوراً في التضليل والتنسيق والتعبئة، بينما تشير معطيات أخرى إلى استغلال شبكات الاتجار بالبشر لهذه البيئة الرقمية.

الأمن المغربي.. من الاحتواء إلى الحزام الأمني

في الجانب المغربي، تحولت الأولوية سريعاً إلى منع تكرار المشهد. فمنذ الأيام التي سبقت 30 يوليوز، كانت السلطات قد أوقفت محاولات جماعية للعبور من الفنيدق والناظور، قبل أن تتسع الإجراءات بعد موجة العبور الكبرى لتشمل مراقبة الطرق ومحطات النقل وتعبئة حافلات لإعادة العابرين إلى مدنهم الأصلية. وعندما ظهرت دعوات جديدة على مواقع التواصل لتنظيم محاولة جماعية في 15 غشت، شددت الرباط الانتشار الأمني في الفنيدق ومحيط باب سبتة، وأعلنت السلطات توقيف أشخاص يشتبه في تورطهم في أعمال تحريضية مرتبطة بالدعوات. وفي 15 غشت، أوقفت السلطات المغربية مئات الأشخاص أثناء محاولات جديدة للعبور؛ ووفق معطيات نقلتها وكالة أسوشيتد برس عبر الجزيرة، بلغ العدد 294 مهاجراً من إفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى 61 مغربياً متهمين بتسهيل عمليات الهجرة، بينما تحدثت مصادر أخرى عن 111 توقيفاً في مرحلة أولى من العملية. واللافت أن محاولة 15 غشت لم تكرر سيناريو 30 يوليوز، وهو ما دفع صحيفة «إلباييس» إلى إبراز قدرة المغرب على إحكام السيطرة عندما يرفع مستوى الانتشار الأمني؛ لكن هذه المقاربة نفسها فتحت نقاشاً حقوقياً حول حدود تقييد التنقل واستخدام القوة.

حقوق الإنسان.. الوجه الأكثر حساسية في الأزمة

إذا كان الأمن قد نجح في منع موجة ثانية، فإن الملف الحقوقي لم ينتهِ، بل ربما بدأ في هذه المرحلة. فقد وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان حالات عنف وإصابات في صفوف العابرين والقوات العمومية، وأشار إلى قيود فرضت على تنقل أشخاص متوجهين نحو شمال البلاد، وإلى وقائع تثير تساؤلات حول احترام مبدئي الضرورة والتناسب في استخدام القوة. وفي المقابل، تحدث المجلس عن مساس بالسلامة الجسدية من جانب القوات الإسبانية أيضاً، وعن حالات اعتداءات ذات طابع عنصري وكراهية للأجانب داخل سبتة، فضلاً عن عدم توفير الحماية والمساعدة الكافيتين لبعض العابرين. كما سجل مخاوف بشأن الضمانات القانونية المرتبطة بعمليات الإعادة، بما فيها الوصول إلى إجراءات اللجوء. أما المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، فقد ذهبت في تقرير قدمته في 18 غشت إلى الحديث عن نقص في الماء والغذاء والإيواء، وظروف صعبة واجهتها النساء والأطفال والقاصرون غير المرفقين، فضلاً عن مؤشرات على استعمال مفرط للقوة وقيود على التنقل ومضايقات تعرض لها صحافيون أثناء تغطية الأحداث. وهذه المعطيات تبقى، من الناحية الصحفية، ادعاءات وملاحظات حقوقية تستوجب التحقيق والتوثيق المستقل، ولا ينبغي التعامل معها كأحكام قضائية نهائية.

القاصرون.. الأزمة التي لم تنتهِ عند الحدود

ولعل أكثر ملفات الأزمة تعقيداً هو ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين. فقد ارتفع عدد القاصرين الموجودين تحت رعاية سلطات سبتة من 213 في 15 يوليوز إلى 718 في 28 يوليوز، ثم تجاوز ألفاً بعد موجة العبور الجماعي، قبل أن تعلن سلطات المدينة رعاية 1017 قاصراً، وهو رقم وضع نظام حماية الطفولة في المدينة أمام ضغط استثنائي. واضطرت سلطات سبتة إلى إضافة مئات الأسرة وطلب دعم من الحكومة الإسبانية، بينما ظل عدد من القاصرين في الشوارع أو في ظروف استقبال صعبة. ومن الجانب المغربي، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف السياسي والقانوني، مؤكداً تمسك المغرب باستعادة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين دخلوا سبتة خلال الأزمة، ومحملاً الجانب الإسباني مسؤولية التعامل مع مصيرهم. وفي المقابل، يظل إرجاع القاصرين ملفاً قانونياً شديد الحساسية، لأن أي إعادة يجب أن تراعي تحديد الهوية، ومصلحة الطفل، والضمانات القانونية، وظروف الاستقبال والرعاية، وهو ما يجعل الملف أكثر تعقيداً من مجرد قرار إداري بإعادة الأشخاص إلى الجانب الآخر من الحدود.

سبتة تختبر أيضاً قدرة إسبانيا على إدارة الأزمة

في الضفة الأخرى، وجدت إسبانيا نفسها أمام ضغط يفوق قدرة المدينة الصغيرة على الاستيعاب. وبعد موجة العبور، عززت مدريد وجودها الأمني بأكثر من 500 عنصر إضافي، ليرتفع عدد أفراد الأمن في سبتة إلى أكثر من 1600، كما نشرت قوات عسكرية وشددت المراقبة البحرية. وبحلول منتصف غشت، ظل آلاف المهاجرين في المدينة، بينما واجهت مرافق الاستقبال والصحة والطفولة ضغطاً كبيراً. وتظهر الأرقام الرسمية للحكومة الإسبانية أن الخدمات الصحية قدمت بين 31 يوليوز و14 غشت 5801 مساعدة طبية، إضافة إلى أكثر من 2500 تدخل قدمه جهاز الصليب الأحمر على أحد الشواطئ، فيما بلغ الضغط ذروته يوم 31 يوليوز بـ1149 تدخلاً صحياً في يوم واحد. وفي 16 غشت، كان لا يزال ما بين 5 آلاف و8 آلاف مهاجر في سبتة وفق معطيات نقلتها أسوشيتد برس، فيما خرج بعضهم في احتجاجات مطالبين بالحماية أو اللجوء، في وقت أعلنت فيه مدريد أن من دخلوا بصورة غير نظامية لن يسمح لهم بالاستقرار أو الانتقال إلى إسبانيا القارية إلا في حالات استثنائية مرتبطة بالهشاشة القصوى.

بين الرباط ومدريد.. تعاون أمني وأسئلة سياسية مؤجلة

المفارقة أن الأزمة، رغم حدتها، لم تدفع المغرب وإسبانيا إلى قطيعة في ملف الهجرة؛ بل كشفت في الوقت نفسه حجم الاعتماد المتبادل بينهما. فمدريد أعلنت تقديرها لتعاون السلطات المغربية في مواجهة التدفقات، واتجه الطرفان إلى تعزيز التنسيق بشأن إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية، بينما واصلت الرباط تشديد المراقبة على محيط المدينة. لكن تحت هذا التعاون الأمني يطفو سؤال سياسي أقدم: ما مستقبل سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الإسبانية؟ فقد أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي التأكيد على أن المطالبة المغربية بالمدينتين لا تزال قائمة، وأن الملف يبقى مطروحاً في الحوار بين البلدين، رابطاً ذلك أيضاً بملف القاصرين المغاربة. وهذا يعني أن أزمة الهجرة لم تكن مجرد حادث حدودي؛ فقد أعادت، ولو بصورة غير مباشرة، ملف السيادة إلى واجهة النقاش السياسي.

ما بعد 30 يوليوز.. الأزمة تكشف ما هو أعمق من الهجرة

الأهم في قصة سبتة أن تفسيرها بالهجرة الاقتصادية وحدها لم يعد كافياً. المجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه دعا إلى قراءة الظاهرة من زاوية أوسع، مشيراً إلى تحول في تطلعات الشباب، وإلى تأثير المجتمعات الرقمية التي تجعل الحدود الجغرافية أقل حضوراً في المخيال، فيما تكشف شهادات من وصلوا إلى سبتة عن خليط من اليأس والرغبة في تغيير الحياة والاعتقاد بأن الوصول إلى الضفة الأوروبية يمكن أن يفتح طريقاً سريعاً نحو المستقبل. أحد الشباب الذين وصلوا إلى سبتة قال لرويترز بعد تجربته إنه ينصح الآخرين بعدم العبور بسبب المعاناة التي واجهها، بينما رأى آخر أن المخاطرة بحياته تبدو بالنسبة إليه أفضل من البقاء دون أفق. هنا تحديداً تتجاوز قصة سبتة الأسلاك والحواجز والقوارب؛ فهي تكشف أزمة ثقة وتطلعات، وأزمة معلومات أيضاً، حيث يمكن لمنشور أو فيديو مضلل أن يحول حكماً قضائياً معقداً إلى وعد بالخلاص، وأن يحشد آلاف الأشخاص خلال ساعات.

سبتة.. أزمة لم تنتهِ بعد

إن الهدوء الذي يخيم على معابر سبتة اليوم هو هدوء حذر ومؤقت، ما لم يُستغل لتأسيس هندسة جديدة للشراكة الإسبانية المغربية. لن تصمد الحواجز العازلة، مهما ارتفع سمكها وزاد انتشار القوات حولها، أمام دفقات اليأس المتجددة. فقد عادت الحدود إلى منطق الحراسة المشددة، وعادت السلطات المغربية إلى تفكيك محاولات العبور قبل وصولها إلى السياج أو البحر، بينما تحاول إسبانيا تخفيف الضغط عن مرافقها واستيعاب آلاف الأشخاص الموجودين داخل المدينة. وفي الخلفية تبقى ملفات لم تغلق: مصير القاصرين، المفقودون والوفيات، ادعاءات سوء المعاملة، ضمانات الإعادة، خطاب الكراهية والعنصرية، دور شبكات التواصل، وشروط التعاون المغربي الإسباني. لذلك فإن سبتة لا تواجه اليوم أزمة هجرة فقط، بل تقف عند تقاطع ثلاثة مسارات متشابكة: مسار أمني يريد منع تكرار 30 يوليوز، ومسار حقوقي يطالب بكشف الحقيقة وحماية الإنسان، ومسار سياسي يعيد طرح أسئلة السيادة والعلاقة بين الرباط ومدريد. وما سيحدد نهاية هذه الأزمة لن يكون عدد الحواجز التي ستقام حول سبتة، وإنما قدرة البلدين على معالجة الأسباب التي تجعل آلاف الأشخاص يرون في عبور حاجز حدودي مخاطرة تستحق الموت.

إن ما كشفته أحداث سبتة يتجاوز المقاربة الأمنية الضيقة للحدود، ليعكس تحولاً عميقاً في تمثلات الشباب واليافعين، حيث لم تعد الظاهرة مجرد دافع اقتصادي تقليدي، بل تعبيراً عن أزمة أمل وتطلعات تُغذى عبر الفضاء الرقمي المتفجر. وتظل الأزمة بعد هدوء محاورها الميدانية مفتوحة على ثلاثة مسارات متوازية: مسار أمني يسعى لمنع التكرار، ومسار حقوقي يطالب بالشفافية والمساءلة، ومسار سياسي يستحضر أسئلة السيادة والشراكة متكافئة الأبعاد بين الرباط ومدريد.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *