أثارت مقاطع مصورة توثق إقدام أشخاص على تقبيل يد وقدم شيخ صوفي خلال “موسم الزميج” بإقليم الفحص أنجرة، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. وتراوحت ردود الأفعال بين من رأى في المشهد تعبيراً طبيعياً عن التوقير، ومن انتقده بشدة معتبراً إياه مبالغة في التعظيم، وصولاً إلى تعليقات ساخرة تساءلت عن مدى انسجام هذه الممارسات مع قيم الدين الحنيف وأخلاق المسلمين.
ويعتبر موسم سيدي أحمد ابن عجيبة، أو “عمارة الزميج”، من أبرز المحطات الصوفية الصيفية التي تجذب المريدين والزوار في شمال المملكة. وتتضمن هذه الفعاليات الروحية، التي تمتد من صلاة العصر إلى ما بعد منتصف الليل، ختمات للقرآن الكريم، وقراءة الحزب الراتب، وتلاوة “دلائل الخيرات”، فضلاً عن الأوراد والدعاء. غير أن تسليط الضوء المكثف على لقطة “تقبيل القدم” أخرج الحدث عن سياقه الروحي المعتاد، ليضعه في قلب عاصفة من الانتقادات الافتراضية.
الزاوية تخرج عن صمتها: سلوك فردي لا يمثلنا
وأمام هذا الجدل المتصاعد، اختارت طريقة ابن عجيبة الدرقاوية الشاذلية التريث حتى تاريخ 17 غشت 2026 لإصدار بيان توضيحي، مفضلة انتظار هدوء التفاعلات المرتبطة بالمقطع. وأعلنت الزاوية براءتها الصريحة من تلك الممارسات، مشددة على أن تصرف الشخص الذي قبل قدم الشيخ كان بدافع “عاطفة المحبة لشيخه” التي غلبته، وهو مجرد سلوك فردي لا يعكس منهج الطريقة ولا سلوكها.
كما استنكر جل أفراد طريقة ابن عجيبة هذا التصرف، معتبرين أن “توقير أهل الله لا ينبغي أن يتسم بالغلو أو يخرج عن حد الاعتدال وما تقتضيه مبادئ الأدب الشرعي والتواضع”. وفي سياق تنظيمي، كشفت الطريقة عن امتلاكها لنحو 35 زاوية تابعة لها في مختلف مناطق شمال المملكة. وأوضحت أن الموسم الرسمي كان قد انتقل منذ أربع سنوات إلى الزاوية الأم بـ”إغدير الدفلة”، متبرئة من أي نشاط يحمل اسمها ويقام خارج إشراف الأسرة العجيبية وشيخها.
وعبرت الطريقة عن رفضها القاطع لاختزال فعاليات الموسم الروحي في لقطة مجتزأة، متهمة جهات لم تسمها بمحاولة استغلال المقطع للإساءة إليها وتقديم صورة مشوهة عن المناسبة. وأكدت في ختام بيانها، الصادر عن شيخ الطريقة محمد المهدي بن عجيبة الإدريسي الحسني، تشبثها بثوابت الأمة ومقدساتها في ممارسة أنشطتها الروحية.
بين حرية المعتقد ورهانات الكرامة الإنسانية
يضعنا التفاعل المجتمعي الكثيف مع واقعة “موسم الزميج” أمام تقاطع دقيق بين حريات الممارسة الروحية المترسخة في التراث الثقافي المغربي، وبين تنامي الوعي المجتمعي والحقوقي الذي بات شديد الحساسية تجاه أي مظاهر قد تُقرأ على أنها مساس بالكرامة الإنسانية، حتى وإن تَدثّرت بغطاء “المحبة الصوفية” و”التبجيل الروحي”.
إن هذه الحادثة تضع الفاعلين في الحقل الديني والتقليدي أمام مسؤولية مضاعفة؛ وهي ضرورة التأطير الاستباقي للمريدين، لمنع تحول طقوس الاحترام إلى ممارسات تتصادم مع قيم التواضع الإسلامي الأصيل ومبادئ المساواة. في عصر الفضاءات المفتوحة والصحافة الرقمية، باتت الكاميرا فاعلاً رقابياً لا يرحم، يفرض على المؤسسات التقليدية تحديث آليات تأطيرها وضبط إيقاع ممارساتها الميدانية لتتواءم مع روح العصر والمكتسبات الحقوقية، دون أن تفقد عمقها وهويتها الثقافية.
